الٓمٓ ١
التفسير
{الم} سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة "البقرة" .
وقوله: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) استفهام إنكار، ومعناه: أن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان، كما جاء في الحديث الصحيح: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء" . وهذه الآية كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] ، ومثلها في سورة "براءة" وقال في البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] ؛ ولهذا قال هاهنا: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) أي: الذين صدقوا في دعواهم الإيمان مِمَّنْ هو كاذب في قوله ودعواه. والله سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون . وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة؛ ولهذا يقول ابن عباس وغيره في مثل: ﴿إِلا لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة: ١٤٣] : إلا لنرى؛ وذلك أن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، والعلم أعم من الرؤية، فإنه [يتعلق] بالمعدوم والموجود.
وقوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) أي: لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان، فإن من ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأطم؛ ولهذا قال: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا) أي: يفوتونا، (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) أي: بئس ما يظنون. ابن كثير ٧/ ٢٦٣ابن كثير ٧/ ٢٦٣
[تفسير المفردات]
الفتنة: الامتحان والاختبار، ليعلمن الله الذين صدقوا: أي ليظهرنّ صدقهم، السبق: الفوت والمراد به الفوت عن المجازاة، والسيئات: هى الشرك بالله والمعاصي التي يجترحونها، ساء ما يحكمون: أي قبح حكمهم أنهم يهربون منا.
[المعنى الجملي]
بعد أن قال فى أواخر السورة السالفة «وَادْعُ إِلى رَبِّكَ» وكان فى الدعاء إليه توقع الطعن والضرب فى الحرب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا مأمورين بالجهاد إن لم يؤمن المشركون ويستجيبوا للدعاء، وذلك مما يشق على بعض المؤمنين- أردف ذلك تنبيههم إلى أن المؤمنين لا يتبين إيمانهم الحق إلا إذا فتنوا.
روى ابن جرير وابن المنذر أن ناسا ممن كانوا بمكة آمنوا فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لما نزلت آية الهجرة لا يقبل منكم إسلام حتى تهاجروا، فخرجوا إلى المدينة فتبعهم المشركون فردّوهم فنزلت فيهم هذه الآيات فكتبوا إليهم، أنزلت فيكم آية كذا وكذا؟ فقالوا: تخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه، فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله فيهم: «ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» . المراغي ٢٢/ ١١٠المراغي ٢٢/ ١١٠
قال مقاتل: نزلت فى مهجع مولى عمر بن الخطاب، وكان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، رماه عامر بن الحضرمي بسهم فقتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ:
«سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة» وجزع عليه أبواه وامرأته فنزلت «الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا» الآية.
[الإيضاح]
(الم) تقدم أن قلنا إنه ينطق بالحروف المقطعة فى أوائل السور بأسمائها ساكنة فيقال: (ألف. لام. ميم) .
والحكمة فى البداءة بها التنبيه وطلب إصغاء السامعين إلى ما يلقى بعدها، فإن الحكيم إذا خاطب من يكون مشغول البال قدّم على المقصود شيئا غيره ليلفت المخاطب بسببه إليه، فحينا يكون كلاما مفهوما كقول القائل اسمع أو ألق بالك إلىّ، وحينا يكون فى معنى الكلام المفهوم كقولك يا على، وحينا يكون صوتا غير مفهوم المعنى كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه.
فالنبى صلى الله عليه وسلم وإن كان يقظ الجنان فهو إنسان يشغله شأن عن شأن، فحسن من الحكيم الخبير أن يقدّم على المقصود حروفا هى كالمنبّهات لا يفهم منها معنى، لتكون أتم فى إفادة التنبيه، لأنه إذا كان المقدم قولا مفهوما فربما ظن السامع أنه هو المقصود ولا كلام للمتكلم بعد ذلك ليصغى إليه، أما إذا سمع صوتا لا معنى له جزم بأن هناك كلاما آخر سيرد بعد، فيقبل إليه تمام الإقبال، ويرهف السمع إلى ما سيأتى.
وقد ثبت بالاستقراء أن كل سورة فى أوائلها حروف التهجي بدئت بذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن نحو «الم ذلِكَ الْكِتابُ، المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ، يس وَالْقُرْآنِ، ص وَالْقُرْآنِ، ق وَالْقُرْآنِ، حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ» إلا ثلاث سور «كهيعص، الم أَحَسِبَ النَّاسُ، الم غُلِبَتِ الرُّومُ» . المراغي ٢٢/ ١١١المراغي ٢٢/ ١١١
وقد حصل التنبيه فى القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها كقوله: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ» ، وقوله: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ؟» ، من قبل أن تقوى الله أمر عظيم، ومثلها تحريم ما أحل الله.
وقد بدئت هذه السورة بالحروف وليس فيها البدء بالقرآن أو الكتاب من قبل أن فيها ذكر جميع التكاليف، وهى شاقة على النفس، فحسن البدء بحروف التنبيه للإيقاظ إلى ما يلقى بعدها:
(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) أي أظن الذين نجوا من أصحابك من أذى المشركين أن نتركهم بغير اختبار ولا امتحان بمجرد قولهم: آمنا بك وصدقناك فيما جئنا به من عند الله، كلا لنمتحننّهم بشاقّ التكاليف كالهجرة، والجهاد فى سبيل الله، ورفض الشهوات، ووظائف الطاعات، وأفانين المصايب فى الأنفس والأموال والثمرات، ليمتاز المخلص من المنافق، والراسخ فى الدين من المتزلزل فيه، ونجازى كلا بحسب مراتب عمله.
ونحو الآية قوله: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ» .
والخلاصة: أيظن الناس أنهم يتركون بمجرد قولهم آمنا دون أن يبتلوا بالفرائض البدنية والمالية كالهجرة من الأوطان والجهاد فى سبيل الله ودفع الزكاة للفقراء والمحتاجين وإغاثة البائسين والملهوفين.
ثم ذكر ما هو كالتسلية لهم بما نال من قبلهم بالمشاقّ فقال:
(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي ولقد اختبرنا أتباع الأنبياء من الأمم السالفة وأصبناهم بضروب من البأساء والضراء فصبروا وعضوا على دينهم بالنواجذ، فابتلينا بنى إسرائيل بفرعون وقومه وأصابهم منه البلاء العظيم والجهد الشديد، وابتلينا من آمن بعيسى بمن كذبه وتولى عنه- لا جرم ليصيبنّ أتباعك أذى شديد وجهد عظيم ممن خالفهم وناصبهم العداء. المراغي ٢٢/ ١١٢المراغي ٢٢/ ١١٢
روى البخاري وأبو داود والنسائي عن خبّاب بن الأرت قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟
ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له فى الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه فما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» .
وعن أبى سعيد الخدري قال: «دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فوضعت يدى عليه، فوجدت حره بين يدى فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله ما أشدها عليك! قال إنا كذلك يضعّف لنا البلاء ويضعّف لنا الأجر، قلت: يا رسول الله:
أىّ الناس أشد بلاء؟ قال الأنبياء، قلت: ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها (يمزقها) وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء» .
ونحو الآية قوله: «وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا» .
(فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) أي وليظهرنّ الله الصادقين منهم فى إيمانهم من الكاذبين بما يشبه الامتحان والاختبار، وليجازينّ كلا بما يستحق.
وخلاصة ما سلف: أيها الناس لا تظنوا أنى خلقتكم سدى، بل خلقتكم لترقوا إلى عالم أعظم من عالمكم وأرقى منه فى كل شئونه، ولا يتم ذلك إلا بتكليفكم بعلم وعمل، واختباركم من آن إلى آخر بإنزال النوازل والمصايب، فى الأنفس والأموال والثمرات، والتخلي عن بعض الشهوات، وفعل التكاليف من الزكاة والصيام والحج ونحوها فحياتكم حياة جهاد وشقاء، شئتم أو أبيتم. المراغي ٢٢/ ١١٣المراغي ٢٢/ ١١٣
وبمقدار ما تصبرون على هذا الاختبار وتفوزون بالنجاح فيه يكون مقدار الجزاء والثواب، وتلك سنة الله فيكم وفى الأمم من قبلكم، وتاريخ الأديان ملىء بأخبار هذا البلاء وما لقيه المؤمنون من المكذبين بالرسل.
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا؟) أي بل أيظن هؤلاء الذين يجترحون الإثم والفواحش أن يفوتونا، فلا نقدر على مجازاتهم، ولا نستطيع أن نجرى العدل فيهم، وما قضت به سنتنا فى الظالمين بأخذهم أخذ عزيز مقتدر؟.
قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة وأبا جهل والأسود والعاص بن هشام وعتبة والوليد بن عتبة وعتبة بن أبى معيط وحنظلة بن أبى سفيان والعاص بن وائل.
(ساءَ ما يَحْكُمُونَ) أي بئس حكما يحكمونه هذا الحكم، وكيف يدور ذلك بخلدهم وإنا لم نخلق الخلق سدى، بل رييناهم وهذبناهم بضروب من التهذيب والعلم، لعلهم يلمحون فى هذا العالم نور جمالى وجلالى. المراغي ٢٢/ ١١٤المراغي ٢٢/ ١١٤
لا كتاب مختار.