القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

وَٱلشَّمْسِ وَضُحَىٰهَا ١

سورة الشمس، الآية ١مكية
في سورتها

التفسير

المختارةتفسير المراغيالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

أقسم الله بالشمس ونهارها وإشراقها ضحى، وبالقمر إذا تبعها في الطلوع والأفول، وبالنهار إذا جلَّى الظلمة وكشفها، وبالليل عندما يغطي الأرض فيكون ما عليها مظلمًا، وبالسماء وبنائها المحكم، وبالأرض وبَسْطها، وبكل نفس وإكمال الله خلقها لأداء مهمتها، فبيَّن لها طريق الشر وطريق الخير، قد فاز مَن طهَّرها ونمَّاها بالخير، وقد خسر مَن أخفى نفسه في المعاصي.

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَاعلى الآيات ١ إلى ١٠ابن كثير ٩/ ٤١٠ابن كثير ٩/ ٤١٠

قال مجاهد: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) أي: وضوئها. وقال قتادة: (وَضُحَاهَا) النهار كله.

قال ابن جرير: والصواب أن يقال: أقسم الله بالشمس ونهارها؛ لأن ضوء الشمس الظاهر هو النهار .

(وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا) قال مجاهد: تبعها. وقال العوفي، عن ابن عباس: (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا) قال: يتلو النهار. وقال قتادة: (إِذَا تَلاهَا) ليلة الهلال، إذا سقطت الشمس رؤي الهلال.

وقال ابن زيد: هو يتلوها في النصف الأول من الشهر، ثم هي تتلوه. وهو يتقدمها في النصف الأخير من الشهر.

وقال مالك، عن زيد بن أسلم: إذا تلاها ليلة القدر.

وقوله: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا) قال مجاهد: أضاء. وقال قتادة: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا) إذا غشيها النهار.

قال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك بمعنى: والنهار إذا جلا الظلمة، لدلالة الكلام عليها.

قلت: ولو أن هذا القائل تأول [ذلك] بمعنى (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا) أي: البسيطة، لكان أولى، ولصح [تأويله في] قول الله (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) فكان أجود وأقوى، والله أعلم. ولهذا قال مجاهد: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا) إنه كقوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ٢] . ابن كثير ٩/ ٤١٠ابن كثير ٩/ ٤١٠

وأما ابن جرير فاختار عود الضمير في ذلك كله على الشمس، لجريان ذكرها. وقالوا في قوله: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) يعني: إذا يغشى الشمس حين تغيب، فتظلم الآفاق.

وقال بَقِيَّة بن الوليد، عن صفوان، حدثني يزيد بن ذي حمامة قال: إذا جاء الليل قال الرب ﷻ : غشي عبادي خلقي العظيم، فالليل يهابه، والذي خلقه أحق أن يهاب. رواه ابن أبي حاتم.

وقوله: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا) يحتمل أن تكون "ما" هاهنا مصدرية، بمعنى: والسماء وبنائها. وهو قول قتادة، ويحتمل أن تكون بمعنى "مَن" يعني: والسماء وبانيها. وهو قول مجاهد، وكلاهما متلازم، والبناء هو الرفع، كقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوة ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧، ٤٨] .

وهكذا قوله: (وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا) قال مجاهد: (طَحَاهَا) دحاها. وقال العوفي، عن ابن عباس: (وَمَا طَحَاهَا) أي: خلق فيها.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (طَحَاهَا) قسمها.

وقال مجاهد، وقتادة والضحاك، والسُّدِّي، والثوري، وأبو صالح، وابن زيد: (طَحَاهَا) بسطها.

وهذا أشهر الأقوال، وعليه الأكثر من المفسرين، وهو المعروف عند أهل اللغة، قال الجوهري: طحوته مثل دحوته، أي: بسطته.

وقوله: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وقال رسول الله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجِّسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جَمْعَاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ " .

أخرجاه من رواية أبي هريرة

وفي صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي، عن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله عز وجل : إني خلقت عبادي حُنَفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" .

وقوله: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) أي: فأرشدها إلى فجورها وتقواها، أي: بين لها ذلك، وهداها إلى ما قدر لها.

قال ابن عباس: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) بين لها الخير والشر. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والثوري. ابن كثير ٩/ ٤١١ابن كثير ٩/ ٤١١

وقال سعيد بن جبير: ألهمها الخير والشر. وقال ابن زيد: جعل فيها فجورها وتقواها.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى وأبو عاصم النبيل قالا حدثنا عَزْرَة بن ثابت، حدثني يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يَعْمَر، عن أبي الأسود الدّيلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل فيه الناس ويتكادحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قَدَر قد سبق، أو فيما يُستَقبَلُون مما أتاهم به نبيهم ﷺ ، وأكدت عليهم الحجة؟ قلت: بل شيء قضي عليهم. قال: فهل يكون ذلك ظلمًا؟ قال: ففزعت منه فزعًا شديدًا، قال: قلت له: ليس شيء إلا وهو خَلقُه وملْك يَده، لا يسألُ عما يفعل وهم يسألون. قال: سددك الله، إنما سألت لأخبر عقلك، إن رجلا من مُزَينة -أو جهينة- أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قَدر قد سبق، أم شيء مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم، وأكدت به عليهم الحجة؟ قال: "بل شيء قد قضي عليهم" . قال: ففيم نعمل؟ قال: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يُهَيِّئه لها، وتصديق ذلك في كتاب الله: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) "

رواه أحمد ومسلم، من حديث عَزْرَة بن ثابت به .

وقوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) يحتمل أن يكون المعنى: قد أفلح من زكى نفسه، أي: بطاعة الله -كما قال قتادة-وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل. ويُروَى نحوه عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير. وكقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥] .

(وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) أي: دسسها، أي: أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهُدَى، حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله عز وجل .

وقد يحتمل أن يكون المعنى: قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دَسَّى الله نفسه، كما قال العوفي وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي وأبو زُرْعَة قالا حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا أبو مالك -يعني عمرو بن هشام-عن جُوَيبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قول الله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) قال النبي ﷺ : "أفلحت نفس زكاها الله" .

ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي مالك، به. وجويبر [هذا] هو ابن سعيد، متروك الحديث، والضحاك لم يلق ابن عباس. ابن كثير ٩/ ٤١٢ابن كثير ٩/ ٤١٢

وقال الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا أبي، حدثنا ابن لَهِيعة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا مر بهذه الآية: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) وقف، ثم قال: "اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها" .

حديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا يعقوب بن حميد المدني، حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي، حدثنا مَعْن بن محمد الغفاري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) قال: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" لم يخرجوه من هذا الوجه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، عن نافع -عن ابن عمر-عن صالح بن سُعَيد، عن عائشة: أنها فَقَدت النبي ﷺ من مضجعه، فلمسته بيدها، فوقعت عليه وهو ساجد، وهو يقول: "رب، أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" تفرد به.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم، إني أعوذ بك من العجز والكَسَل والهرم، والجُبن والبخل وعذاب القبر. اللهم، آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم، إني أعوذ بك من قَلْب لا يخشع، ومن نَفْس لا تشبع، وعِلْم لا ينفع، ودعوة لا يستجاب لها" . قال زيد: كان رسول الله ﷺ يعلمناهن ونحن نعلمكوهن.

رواه مسلم من حديث أبي معاوية، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث -وأبي عثمان النهدي، عن زيد بن أرقم، به . ابن كثير ٩/ ٤١٣ابن كثير ٩/ ٤١٣

تفسير المراغيالمراغي، ت ١٣٧١هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالشَّمْسِ وَضُحاها وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها وَالسَّماءِ وَما بَناها وَالْأَرْضِ وَما طَحاها وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاهاعلى الآيات ١ إلى ١٠المراغي ٣٢/ ١٦٥المراغي ٣٢/ ١٦٥

[شرح المفردات]

ضحى الشمس: ضوؤها، تلاها: أي تبعها، يقال تلا فلان فلانا يتلوه إذا تبعه، وجلاها: أي كشف الشمس وأتمّ وضوحها، يغشاها: أي يزيل ضوءها ويحجبه، والسماء: كل ما ارتفع فوق رأسك، والمراد به هذا الكون الذي فوقك وفيه الشمس والقمر وسائر الكواكب التي تجرى فى مجاريها، بناها: أي رفعها، وجعل كل كوكب من الكواكب بمنزلة لبنة من بناء سقف أو قبة تحيط بك، وطحا الأرض بسطها وجعلها فراشا، سوّاها: أي ركب فيها القوى الظاهرة والباطنة، وجعل لكل منها وظيفة تؤديها، ألهمها: عرّفها ومكّنها، والفجور: ما يكون سببا فى الخسران والهلكة، والتقوى: إتيان ما يحفظ النفس من سوء العاقبة، أفلح: أي أصاب الفلاح، وهو إدراك المطلوب، وزكاها: أي طهرها من أدناس الذنوب، وخاب: المراغي ٣٢/ ١٦٥المراغي ٣٢/ ١٦٥

أي خسر، ودسّاها: أي أنقصها وأخفاها بالذنوب والمعاصي قال:

ودسست عمرا فى التراب فأصبحت ... حلائله منه أرامل ضيّعا

[الإيضاح]

(وَالشَّمْسِ وَضُحاها) أقسم سبحانه بالشمس نفسها غابت أو ظهرت، لأنها خلق عظيم على قدرة مبدعها، وأقسم بضوئها لأنه مبعث الحياة فى كل حى، فلولاها ما أبصرت حيّا ولا رأيت ناميا، ولولاها ما وجد الضياء ولا انتشر النور، وإذا أرسلت خيوطها الذهبية على مكان فرّ منه السقم، وولت جيوش الأمراض هاربة، لأنها تفتك بها فتكا ذريعا.

(وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها) أي والقمر إذا تلا الشمس فى الليالى البيض من الليلة الثالثة عشرة من الشهر إلى السادسة عشرة وقت امتلائه أو قربه من الامتلاء حين يضىء الليل كله من غروب الشمس إلى الفجر.

وهذا قسم بالضوء فى طور آخر، وهو ظهوره وانتشاره الليل كله.

وقد يكون المراد- بتلاها أي تبعها فى كل وقت، لأن نوره مستمد من نور الشمس فهو لذلك يتبعها، وقد قال بهذا الفرّاء قديما وأثبته علماء الفلك حديثا.

(وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها) أي والنهار إذا جلّى الشمس وأظهرها وأتمّ وضوحها، إذ كلما كان النهار أجلى ظهورا كانت الشمس أكمل وضوحا. المراغي ٣٢/ ١٦٦المراغي ٣٢/ ١٦٦

وأقسم بهذه المخلوقات، للإشارة إلى تعظيم أمر الضوء وإعظام أمر النعمة فيه، وفيه لفت لأذهاننا إلى أنه آية من آيات ربنا الكبرى، ونعمة من نعمه العظمى.

وفى قوله: جلاها بيان للحال التي يكشف فيها النهار تلك الحكمة البالغة، والآية الباهرة.

وبعد أن أقسم بالضياء فى أطوار مختلفة أقسم بالليل فى حال واحدة فقال:

(وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها) أي والليل إذا يغشى الشمس فيزيل ضوءها فى الليالى الحالكة التي لا أثر لضوء الشمس فيها، لا مباشرة كما فى النهار، ولا بالواسطة كضوء القمر المستفاد منها، وهى قليلة فإنها ليلة أو ليلتان أو بعض ليال فى الشهر.

وفى هذا إيماء إلى أن الليل يطرأ على هذا الكواكب العظيم فيذهب ضوءه، ويحيل نور العالم ظلاما فهو على جليل نفعه وعظيم فائدته، لا يتخذ إلها لأن الإله لا يحول ولا يزول، ولا يعتريه تغير ولا أفول.

وفيه ردع وتأنيب للمشركين على تأليهه وعبادته.

وبعد أن ذكر الأوصاف الدالة على عظمة هذه الأجرام- أردفه ذكر صفات تدل على حدوثها فقال:

(وَالسَّماءِ وَما بَناها) أي والسماء ومن قدّرها على النحو الذي اقتضته مشيئته وحكمته.

وفى ذكر البنيان إشارة إلى ما انطوى عليه رفعها وتسويتها من بارع الحكمة وتمام القدرة، وأن لها صانعا حكيما قد أحكم وضعها وأجاد تقديرها، فإنه شد هذه الكواكب بعضها إلى بعض برباط الجاذبية العامة كما تربط أجزاء البناء الواحد بما يوضع بينها حتى يتماسك.

ولما كان الخطاب موجها إلى قوم لا يعرفون الله بجليل صفاته، وكان القصد منه أن ينظروا فى هذا الكون نظرة من يطلب للأثر مؤثرا، فينتقلوا من ذلك إلى معرفته تعالى- عبر عن نفسه بلفظ (ما) التي هى الغاية فى الإبهام. المراغي ٣٢/ ١٦٧المراغي ٣٢/ ١٦٧

(وَالْأَرْضِ وَما طَحاها) أي والأرض والذي بسطها ومهدها للسكنى، وجعل الناس ينتفعون بما على ظهرها من نبات وحيوان، وبما فى باطنها من مختلف المعادن.

ونحو الآية قوله: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً» .

وقصارى ما سلف- إنه بعد أن أقسم سبحانه بالضياء والظلمة، أقسم بالسماء وما فيها من الكواكب، وبالذي بناها وجعلها مصدرا للضياء، وبالأرض والذي جعلها لنا فراشا ومصدرا للظلمة، فإنها هى التي يحجب بعض أجزائها ضوء الشمس عن بعضها الآخر فيظهر فيه الظلام.

ثم أقسم بعد هذا بالنفس الإنسانية لما لها من شرف فى هذا الوجود فقال:

(وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها) أي قسما بالنفس ومن سواها وركب فيها قواها الباطنة والظاهرة، وحدد لكل منها وظيفة تؤديها، وألف لها الجسم الذي تستخدمه من أعضاء قابلة لاستعمال تلك القوى.

ثم بين أثر هذه التسوية فقال:

(فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) أي فألهم كل نفس الفجور والتقوى وعرفها حالهما، بحيث تميز الرشد من الغىّ، ويتبين لها الهدى من الضلال، وجعل ذلك معروفا لأولى البصائر.

وبعد أن ذكر أنه ألهم النفوس معرفة الخير والشر ذكر ما تلقاه جزاء على كل منهما فقال:

(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) أي قد ربح وفاز من زكى نفسه ونمّاها حتى بلغت غاية ما هى مستعدة له من الكمال العقلي والعملي، حتى تثمر بذلك الثمر الطيب لها ولمن حولها.

(وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) أي وخسر نفسه وأوقعها فى التهلكة من نقصها حقها بفعل المعاصي ومجانبة البر والقربات، فإن من سلك سبيل الشر، وطاوع داعى الشهوة فقد فعل ما تفعل البهائم، وبذلك يكون قد أخفى عمل القوة العاقلة التي اختص بها الإنسان، واندرج فى عداد الحيوان. المراغي ٣٢/ ١٦٨المراغي ٣٢/ ١٦٨

ولا شك أنه لا خيبة أعظم، ولا خسران أكبر من هذا المسخ الذي يجلبه الشخص لنفسه بسوء أعماله.

والمحلوف عليه الذي افتتحت به السورة- محذوف للعلم به من نظائره، وكأنه قيل: «وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... » لينزلنّ بالمكذبين منكم مثل ما نزل بثمود إذ كذبت نبيّها فأصابها العذاب، ودليل ذلك قوله بعد: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها» الآيات، فإنها ترشد إلى أن الله يعاقب من يكذب رسله، نحو ما سبق فى سورة البروج. المراغي ٣٢/ ١٦٩المراغي ٣٢/ ١٦٩