وأما قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا} ، و {الزانية والزاني فاجلدوا} ، فهذه أسماء الفاعل فذكرها ذكر الفاعل، وكأن لا فرق بين من سرق فاقطعوه، وقوله: {والسارق} ، {فاقطعوا} ، وليس هذا من مسألتنا في شيء.
وقال الشافعي: يحده الإمام إذا ظفر به. لنا: أن الإمام لم يكن مخاطبًا إقامة الحد عليه حال الزنا يدل عليه قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} وهذا خطاب للأئمة ويستحيل أن يخاطب بإقامة الحد مع عجزه [عن ذلك ولأن إقامة الحد عبادة فلا يخاطب بها الإمام مع عجزه] عنها كسائر العبادات وإذا ثبت أنه لم يخاطب بإقامة عند الزنى، قلنا: كل وطء لا يخاطب بإقامة الحد على الواطئ في الابتداء مع علمه بوجوده، فإنه لا يخاطب في الثاني بإقامته أصله الوطء [مع الكفر] ولأنه زنا في موضع لا ولاية للإمام عليه فأشبه الحربي إذا زنا في دار الحرب ولأن الحربي إذا زنى في دار الحرب ثم ظهر لهم فلا يخلو إما أن يكون ترك الاستيفاء لكفره أو لأنه لا يلتزم أحكامنا أو أنه لا يد للإمام عليه ولا يجوز أن يكون لأجل الكفر لأن الذي لا يقام عليه الحد [مع الكفر] فلا يجوز أن يكون لأنه لم يلتزم أحكامنا؛
لنا: قوله تعالى: {الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} . وهذا يقتضي وجوب الجلد على كل زان إلا ما خصه دليل ويدل عليه: ما روى الثوري عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: من أشرك بالله فليس بمحصن.
إحداهما: يجب؛ لقول الله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} فلما وجب الرجم بالسنة، انضم إلى ما في كتاب الله تعالى، ولهذا قال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في شراحة: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ويجب أن يحضر حد الزنا طائفة؛ لقول الله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . وقال أصحابنا: أقل ذلك واحد مع الذي يقيم الحد؛ لأن اسم الطائفة يقع على واحد، بدليل قول الله تعالى:
ويقرر لمقترفه عقوبة رادعة: " الزانية والزاني، فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (١) " .
يقول الله سبحانه: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " (١) .
حد البكر: اتفق الفقهاء على أن البكر الحر إذا زنا فإنه يجلد مائة جلدة، سواء في ذلك الرجال والنساء، لقول الله سبحانه في سورة النور (١) : " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة (٢) في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (٣) " .
شهود طائفة من المؤمنين الحد: قال الله تعالى: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " (٢) .
الحنفية - قالوا: إن الحدود ما ثبتت بالقرآن الكريم وهي خمسة فقط. الأول: حد الزنا وهو ثابت بآية {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين اللَّه إن كنتم تؤمنون باللَّه واليوم الآخر} الآية.
اتفق الفقاء على ان البكرين الحرين العاقلين البالغين المسلمين إذا زنيا فعلى كل واحد منهما الجلد مائة جلدة، وذلك ثابت في كتاب الله تعالى حيث قال الله عز وجل (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من الؤمنين) قال المفسرون خصصت هذه الآية بلأحاديث الواردة في رجم المحصن وبقيت في حكم غير المحصن.
ثم نسخت بقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} فالزانيان يستحقان الجلد سواء كلنا محصنين أو لا. ولكن دليلهم هذا لا يتم إلا إذا ثبت أن النَبِي صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم لم يرجم أحداً بعد نزول هذه الآية.
الآية ٣٣ من سورة الأعراف. وقال تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين} آية ٢ و ٣ من سورة النور.
وأما قوله تعالى: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} فهو من باب التهييج والتهاب الغضب لله تعالى ولدينه. قال الجبائي تقدير الآية: {إن كنتم مؤمنين فلا تتركوا إقامة الحدود} وهذا يدل على أن الاشتغال بأداء الوجبات من الإيمان
"وإن لم يكن محصنا وكان حرا فحده مائة جلدة" لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ إلا أنه انتسخ في حق المحصن فبقي في حق غيره معمولا به. قال: "يأمر الإمام بضربه بسوط لا ثمرة له ضربا متوسطا" لأن عليا رضي الله عنه لما أراد أن يقيم الحد كسر ثمرته والمتوسط بين المبرح وغير المؤلم لإفضاء الأول إلى الهلاك وخلو الثاني عن المقصود وهو الانزجار "وتنزع عنه ثيايه" معناه دون الإزار لأن عليا رضي الله عنه كان يأمر بالتجريد في الحدود ولأن التجريد أبلغ في إيصال الألم إليه وهذا الحد مبناه على الشدة في الضرب وفي نزع الإزار كشف العورة فيتوقاه
(ولو) كان الزاني (غير محصن جلده) الإمام (مائة) لقوله تعالى: {الزانية} إلى قوله: {مائة جلدة} (النور: ٢) نسخ ذلك في المحصن فبقي في غيره وقدمت الأنثى هنا وفي آية السرقة الذكور دلالة على أصالة المقدم في بابه
[٣٠٣/أ] قال في (الفتح) : والحق في هذا كله وجوب الحد إذ المذكور / معنى يعارضه كتاب الله تعالى: {الزانية والزاني} (النور: ٢) الآية فالمعنى الذي يفيد أن فعل الزنا مع قوله: أزني بك لا يجلد معه للفظ المهر معارض له
(وإن لم يكن) الزاني (محصناً، وكان حراً فحده مائة جلدة) ، لقوله تعالى:{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} إلا أنه انتسخ في حق المحصن، فبقي في حق غير معمولا به، هداية
وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بالآية الكريمة: وهي قول الله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائسة جلدة} وجه الاستدلال من الآية على ما ذكرنا أنه سبحانه قد جعل كل الحد جلد كل واحد منها مائة جلدة، فلا تجوز الزيادة عليه،
بخلاف أنت علي كظهر أمي فإنه يصدق على الأجنبية، واستشكل كون اسم الفاعل حقيقة في حال التكلم بقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} . وبقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} فإنه يقتضي على هذا أن الأمر بالقطع أو بالجلد لا يتعلق إلَّا بمن تلبس بالسرقة أو بالزنى حال التكلم أي حال نزول الآيتين، لا على من تلبس بهما بعد ذلك مع أن الحكم عام، وأجاب ابن عبد السلام بأن معنى قولهم اسم الفاعل حقيقة في حال التكلم إذا كان محكوما به، نحو: زيد ضارب لا محكوما عليه كما في الآيتين فهو أعم من ذلك.
تنبيه: لم يتعرض المصنف لحكم حضور جماعة للحد وحضورها للحد مشروع، قال اللَّه تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، قال ابن عرفة في باب اللعان: وفيها بمحضر من الناس. ابن محرز: لأنه حكم إمام بما فيه حقوق كثيرة فوجب أن يحضره من يشهد عليه، لقوله تعالى في الزانيين: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، وأقلها عند مالك أربعة. انتهى.
وقال في الجواهر في باب اللعان: يحضر أربعة فأكثر لقوله تعالى في الزنى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، فيحضرون هنا بجامع التغليظ؛ ولأن قطع الأنساب وفساد الأعراض أمر عظيم فيغلظ في سببه. انتهى. ونقله في الذخيرة.
وقال القاضي عبد الوهاب في المعونة: وينبغي للإمام أن يحضر الحد طائفة من المؤمنين الأحرار العدول لقوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ،
وقال في مختصر عيون المجالس: يستحب للإمام أن يحضر في إقامة الحد في الزنى طائفة من المؤمنين كما قال تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، والطائفة عندنا وعند أبي حنيفة والشافعي أربعة فصاعدا، وروي عن ابن عباس واحد فما فوقه، وذهب عطاء وأحمد بن حنبل إلى أن الطائفة هنا اثنان فصاعدا، وذهب الزهري إلى أنها ثلاثة، وذهب الحسن إلى أنها عشرة،
وقال القرطبي في قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، قيل: لا يشهد التعذيب إلا من لا يستحق التأديب، قال مجاهد: رجل فما فوقه إلى الألف،
وقال الشبراخيتي: وإنما بالغ على العبد والكافر لقول أشهب: يجلد العبد خمسين ويؤدب الكافر. مالك: وعلى الرجم العمل، وذكر ابن حبيب أن الصديق رضي اللَّه عنه أمر بهم فأحرقوا بالنار. انتهى. وجلد الحر البكر مائة هذا هو النوع الثاني من أنواع الحد؛ يعني أن الحر البكر المسلم المكلف إذا زنى يجلد مائة جلدة، والمراد بالبكر الذي لم يحصن. وقوله: "وجلد الحر البكر مائة" يشمل الذكر والأنثى، لقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} ،
وفي نسخة: وتشطرت بتاء التأنيث أي المائة للرق بلام التعليل وهذه النسخة للمواق والشارح، وقد مر أنه يندب إحضار جماعة للجلد أقلهم أربعة عدول، لقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ،
قال: (إذا بيع الطعام بالطعام) إنما قدمه على النقد؛ لأن أحكامه أكثر، وعبر في (المحرر) بالمطعوم، وعبارة المصنف موافقة لرواية مسلم [١٥٩٢] عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثل) فعلق المنع على الطعام، وهو اسم مشتق، وتعليق الحكم على الاسم المشتق يدل على التعليل بما فيه من الاشتقاق، كقوله تعالى:{الزانية والزاني فاجلدوا}{والسارق والسارقة فاقطعوا}.
قال: (وجمع) أي: من الأعيان والصلحاء؛ لقوله تعالى:{وَليَشْهَد عذَاَبَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ اٌلْمُؤمِنِينَ}، ولأن ذلك أعظم للأمر، وقد حضر اللعان على عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد وهم من أحداث الصحابة، فاستدل به الشافعي على أنه حضر جمع كثير فإن العادة أن الأحداث لا يحضرون المجالس العظام إلا تابعين للرجال.
وقال تعالى:{الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}، و (الشيخ والشيخة إن زنيا فارجموهما البتة)، وهذه نسخ لفظهما وبقي حكمهما.
وكذا سائر الحدود.
وفي (تتمة التتمة) قول غريب عن رواية القفال: أن لغير الإمام استيفاؤه حسبة كالأمر بالمعروف، وأيضًا فقد قال الله تعالي:{فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} وهذا الخطاب عام.
(والجلد في الزنى أشدُّ الجلد، ثم جَلْد القذف، ثم الشرب) نص عليه (ثم التعزير) لأن الله تعالى خص الزنى بمزيد التأكيد بقوله: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ}؛ ولأن ما دونه أخفّ منه عددًا، فلا يجوز أن يزيد في إيلامه ووجعه؛ لأن ما كان أخف في عدده كان أخف في صفته، وحَدُّ القذف حق آدمي، وحَدُّ الشُّرب محض حق الله تعالى، والتعزير لا يُبلغ به الحَدَّ.
(وإذا زنى الحُرُّ غيرُ المحصَن من رجل أو امرأة، جُلِد مائة) لقوله تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (وغُرِّب عامًا) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "البكرُ بالبِكْرِ جلدُ مائةٍ وتغرِيبُ عَامٍ"؛ ولأن الخلفاء الراشدين فعلوا ذلك بالحر غير المحصن، وانتشر، ولم يُعرف لهم مخالف، فكان كالإجماع (إلى مسافة القَصْر) لأن ما دون ذلك في حكم الحضر (في بلد معين) لأن التغريب يتحقق بذلك.
وإن قلّ فيدرأ عنه الحد للشبهة؛ كوطء جارية له فيها شرك. وعموم قوله سبحانه وتعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور:٢ [مخصوص بوطء الجارية المشتركة وجارية ابنه. فيقاس عليه وطء الجارية من الغنيمة. (وعليه مهرُها) يطرح في المقسم.
(وأشده) أي: أشد الجلد في الحدود (جلد زنا، فـ) جلد (قذف، ف) جلد (شرب) . نص على ذلك، (فـ) جلد (تعزير) ؛ لأن الله سبحانه وتعالى خص الزنا بمزيد تأكيد بقوله سبحانه وتعالى:{وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ}. فاقتضى مزيد تأكيد. ولا يمكن ذلك في العدد فيكون في الصفة.
(وأشد الجلد) في الحدود (جلد الزنا، ثم) جلد (القذف، ثم) جلد (الشرب، ثم) جلد (التعزير) ، لأن الله تعالى خص الزنا بمزيد تأكيد بقوله:{وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} وما دونه أخف منه في العدد، فلا يجوز أن يزيد عليه في الصفة ولا يؤخر حد لمرض ولو رجي زواله، ولا لحر أو برد ونحوه،
فإما أن ترفعه لولي الأمر أو تتركه، لا سيما على القول بأنه لا يشترط لإقامة حد القذف مطالبة المقذوف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: لا يشترط في إقامة الحد مطالبة المقذوف؛ لأنه حق لله، حماية لأعراض المسلمين، ولهذا جاء في الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ ، فهو كقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، لكن على القول بأنه حق للمقذوف وأن للمقذوف إسقاطه، قالوا: إنه لا يصح بعوض؛
والقول الأول هو الصحيح، وهو المتعين؛ لأنه يكون كإقامة البينة، فقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ *﴾ [النور]، فالعذاب يعني الحد، وليس الرجم، بدليل أن الله تعالى قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *﴾ [النور]، فسمى الله الحد عذاباً،
أولاً: الزنا، وهو حد بنص القرآن، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ . وجاءت السنة بزيادة على ذلك، وهي أن يُغرَّب الزاني والزانية عن البلد الذي حصل فيه الزنا لمدة عام،
وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فإياك أن تقول: هذا شيخ كبير، نجلده مائة جلدة!! وهذا إن لم يتزوج،
وأما إذا تزوج فالحجارة، فلا تقل: أرحمُهُ، بل قل: لا أرحمُهُ؛ لأن من هو أرحم مني أمر بجلده، ونهاني أن أرأف به، فقال: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ .
فإذا قال: اجلدوه في بيته حتى لا يطلع عليه أحد، قلنا: قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والذي شرع هذه الحدود الله، وهو أرحم من الخلق جميعاً، فهو أرحم من الوالدة بولدها؛ لأن في إقامة الحدود مصالح عظيمة لا تحصى، ففيها ردع وتطهير. يقول بعض الملحدين والزنادقة: إننا لو قطعنا يد السارق لأصبح نصف الشعب مقطوعاً، نقول: لو قطع واحد لارتدع الآلاف،
«وَأَشَدُّ الجَلْدِ جَلْدُ الزِّنا»«أشد» يعني أقوى، فالشدة هنا قوة الضرب، فأشده جلد الزنا؛ والدليل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ وهذا يدل على أننا نشتد في ذلك، ولأنه أكثر عدداً،
واحتج القائلون بأنه يجمع له بين الجلد والرجم، بأن الجلد ثابت بالقرآن المحكم لفظاً ومعنى لكل زانٍ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾، وهذا عام يشمل المحصن وغير المحصن.
فإن حده أن يجلد مائة جلدة، والدليل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، وثبت عن النبي ﷺ في ابن الرجل الذي زنا بامرأة من استأجره أنه قال له:«وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام».
وقال بعض العلماء: إنه لا يغرب؛ لأن التغريب لم يوجد في القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *﴾ [النور] ولم يذكر التغريب. ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن ما ثبت بالسنة وجب العمل به، كما يجب العمل بما في القرآن؛
فإذا كانت المرأة بهذه الحال فإن العبد ليس هكذا، فالقياس غير صحيح، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن حد الزاني الرقيق إذا كان ذكراً كحد الحر لعموم الآية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾.
بخلاف الميتة، والإمام أحمد رحمه الله في إحدى الروايات إن لم تكن الأخيرة ـ يميل إلى هذا، أنه يجب عليه حدان لبشاعة هذا الأمر، وهو لا شك أمر مستبشع غاية الاستبشاع، ولا أقل من أن نلحق الميتة بالحية لعموم الأدلة: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ،
فإذا شهد على نفسه بالزنا فقد قام بالقسط، وصَدَقَ عليه وصف الزاني، وقد قال الله عز وجل : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، فكيف نرفع هذا الحكم الذي أمر الله به مُعَلَّقاً على وصف ثبت بإقرار من اتصف به؟! هذا لا يمكن؛ لأن هذا حكم معلق على وصف ثبت بإقرار، فبمجرد ما ثبت الإقرار ثبت الحد، فما الذي يرفعه؟!
ويجب في إقامة حد الزنا، حضور طائفة من المؤمنين، لقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ولو واحدا مع من يقيمه، لأن من يقيمه حاضر ضرورة، وهذا القول، روي عن ابن عباس،
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} أي و {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} فيما فرض عليهم {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} والجلد ضرب الجلد، وهذا مطلق، محمول على الحر البالغ العاقل، الذي لم يجامع في نكاح صحيح، ثم قال: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} أي رحمة {فِي دِينِ اللهِ} بإقامة الحد {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فإن الإيمان يقتضي الصلابة في الدين، والاجتهاد في إقامة أحكامه، فعلق كمال الإيمان بذلك، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه.
وقال مالكٌ، وأبو ثَورٍ: عليه الحَدُّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}. وهذا زانٍ، ولأنَّه وَطِئَ في غيرِ مِلْكٍ، عامِدًا، عالِمًا بالتَّحْرِيمِ، فلَزِمَه الحَدُّ، كما لو وَطِئَ جارِيَةَ غيرِه.
والعذابُ الَّذي يَدْرَؤُه عنها لِعانُها هو الحَدُّ المَذْكُورُ في قولِه تعالى:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}. ولأنَّه بلِعانِه حَقَّقَ زِنَاها، فوَجَبَ عليها الحَدُّ، كما لو شَهِدَ عليها أرْبَعةٌ. ولَنا، أنَّه يتَحَقَّقْ زنَاها، فلا يَجبُ عليها الحَدُّ، كما لو لم يُلاعِنْ، ودَلِيلُ ذلك، أنَّ تَحَققَ زِنَاها لا يَخْلُو
وقال مالكٌ: كلُّها واحدٌ؛ لأَنَّ اللَّه تعالى أمَر بجَلْدِ الزَّانِى والقاذِفِ أمْرًا واحدًا، ومقصودُ جَمِيعِها واحِدٌ، وهو الزَّجْرُ، فيجبُ تَساويها في الصِّفَةِ. وعن أبى حنيفةَ: التَّعْزِيرُ أشَدُّها، ثم حَدُّ الزَّانِى، ثم الشُّرْبِ، ثم حَدُّ القَذْفِ. ولَنا، أنَّ اللَّه تعالى خَصَّ الزِّنَى بمَزِيدِ تأكيدٍ، بقولِه تعالى:{وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ}. فاقْتَضَى مَزيدَ تأكيدٍ، ولا يُمْكِنُ ذلك في العَدَدِ، فجُعِلَ في الصِّفَةِ، ولأَنَّ ما دُونَه أخَفُّ منه في العَدَدِ، فلا يجوزُ أن يَزِيدَ عليه في إيلامِه ووَجَعِه.
وقال: قد قال اللَّه تعالى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}. وهذا جَلْدَةٌ واحدةٌ. ولَنا، ما روَى أبو أُمامةَ بنُ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ، عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ رجلًا اشْتَكَى حتى ضَنِىَ، فدخَلَتْ عليه امرأةٌ، فهَشَّ لها، فوقَعَ بها ، فسُئِلَ له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمَرَ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يأْخُذوا مائةَ شِمْراخٍ فيَضْرِبُوه ضَرْبةً واحدةً. رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ .
ومَن بَعْدَهم مِن عُلَماءِ الأمْصارِ في جميعِ الأعْصارِ، ولا نَعلمُ أحدًا خالفَ فيه إلَّا الخَوارِجَ، فإنَّهم قالُوا: الجَلْدُ للبِكْرِ والثيبِ، لقَوْلِ اللَّهِ تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}. وقالوا : لا يجوزُ تَرْكُ كتابِ اللَّهِ تعالى الثابتَ بالقَطْعِ واليَقِينِ، لأخْبارِ آحادٍ يجوزُ الكَذِبُ فيها، ولأَنَّ هذا يُفْضِى إلى نَسْخِ الكِتابِ بالسُّنَّةِ، وهو غيرُ جائِزٍ. ولَنا، أنَّه قد ثَبَت الرَّجْمُ عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقَوْلِه وفِعْلِه، في أخْبارٍ تُشْبِهُ المُتَواتِرَ، وأجْمَعَ عليه أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- على ما نَذْكُرُه في أثْناءِ البابِ في مَواضِعِه، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، وقد أنزَلَه اللَّهُ تَعالى في كتابِه، وإنَّما نُسِخَ رَسْمُه دُونَ حُكْمِه، فرُوِىَ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إنَّ اللَّهَ تعالى بَعَث محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- بالحَقِّ، وأنْزَلَ عليه الكِتابَ، فكان فيما أنْزَلَ عليه آيةُ الرَّجْمِ، فقَرَأتها وعَقَلْتُها ووَعَيْتُها، ورَجَم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ورَجَمْنا بعدَه.
مسألة: (وإن زَنَى الحُرُّ غيرُ المُحْصَنِ، جُلِدَ مِائَةً، وغُرِّبَ عامًا إلى مَسافَةِ القَصْرِ) [وإن كان ثَيِّبًا]. ولا خِلافَ في وُجُوبِ الجَلْدِ على الزَّانِى إذا لم يَكُنْ مُحْصَنًا، وقد جاء بَيانُ ذلك في كتابِ اللَّهِ تعالى، بقولِه سبحانه وتعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}. وجاءتِ الأحاديثُ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُوافِقَةً لِما جاء به الكتابُ.
وأما كون من استأجر امرأة للزنى أو لغيره عليه الحد إذا زنى بها؛ فلعموم قوله تعالى:{الزانيةُ والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة}. وعموم سائر الأخبار.
أما كون من وجب عليه حد لله سوى حد المحاربين لا يسقط بتوبته على المذهب؛ فلأن الله عز وجل قال:{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما}، {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} من غير فرق بين التائب وغيره.
إذا تقرر ذلك (فالرواية الأولى) اختيار أبي بكر عبد العزيز، ونصبها الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وصححها الشيرازي، لقول الله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: ٢] الآية، وهذا عام في البكر والثيب، ثم قد ورد رجم المحصن في سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بلا ريب، وفعله خلفاؤه من بعده، بل وفي الكتاب العزيز.
وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ٣١٠٧ - مع أن في صحيح مسلم، وسنن أبي داود والترمذي، عن عبادة بن الصامت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» ، وما يعترض على هذا من أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يجلد ليس بنص صريح، إذ غايته أنه لم ينقل أنه جلد، وعدم النقل لا يدل على العدم.
(والرواية الثانية) : هي أشهر الروايتين عن الأثرم، واختارها ابن حامد، ونصرها الجوزجاني والأثرم في منتهاهما.
٣١٠٨ - لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجم ماعزا والغامدية، وامرأة من جهينة، ورجلا وامرأة من اليهود، ولم ينقل - مع كثرة الروايات التي يبلغ مجموعها التواتر المعنوي - بلا ريب - أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جلدهم.
٣١٠٩ - وقال: « «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» متفق عليه، ولم يأمر بجلدها، وهذا يبين أن هذا هو آخر الأمرين من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد أشار إلى هذا أحمد، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث عبادة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنه أول حد نزل، وإن حديث ماعز بعده رجمه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يجلده، وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رجم ولم يجلد، وكذلك نقل إسماعيل بن سعيد نحو هذا، والذي في الآية الكريمة يحمل على البكر.
٣١١٠ - وقد ورد في أبي داود في رواية - قال أبو السعادات: ذكرها رزين - عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: أول ما كان الزنا في الإسلام أخبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأنزل الله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} [النساء: ١٥] {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} [النساء: ١٦] ثم نزل بعد ذلك: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: ٢] ، ثم نزلت آية الرجم في النور، فكان الأول للبكر، ثم رفعت آية الرجم من التلاوة، وبقي الحكم بها، وهذا إن ثبت فيه جمع بين الأدلة. ٣١١١ - وقد عمل على ذلك عمر وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فرجما، ولم ينقل أنهما جلدا.
وتقييد الخرقي بالحر والحرة ليخرج العبد والأمة، وسيأتي إن شاء الله تعالى حدهما، وتقييد الحر بالمحصن والحرة بالمحصنة ليخرج غير المحصن كما سيأتي، ولا نزاع في أن الإحصان شرط في الرجم، وقد شهد لذلك حديث عبادة وحديث عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
٣١١٢ - وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني» ، وفي رواية: «أو زنا بعد إحصان» الحديث. . . وقد تقدم ذلك.
٣١١٣ - وفي قصة ماعز أنه قال له: «أحصنت» ؟ قال: نعم، فأمر به فرجم. والإحصان قد تقدم الكلام عليه في آخر كتاب النكاح، فلا حاجة إلى إعادته. (تنبيه) : الزنا الفاحشة يمد ويقصر، فالقصر لأهل الحجاز، والمد لأهل نجد، أنشد ابن سيده:
أما الزناء فإني لست قاربه ... والمال بيني وبين الخمر نصفان
والزاني من أتى الفاحشة، وسيأتي كلام الخرقي إن شاء الله تعالى فيه، والله أعلم. قال: ويغسلان ويكفنان، ويصلى عليهما، ويدفنان. ش: أما التغسيل والتكفين والدفن فاتفاق، حكاه أبو محمد.
٣١١٤ - وقال أحمد: سئل علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن شراحة - وكان رجمها - فقال: اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم. وصلى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على شراحة، وأما الصلاة، فهي أيضا قول الأكثرين. ٣١١٥ - لما روى عمران بن حصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن «امرأة من جهينة أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعا نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وليها فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها» ففعل، فأمر بها نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، قال عمر: أتصلي عليها وقد زنت؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل» رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
٣١١٦ - وفي مسلم أيضا وسنن أبي داود، من حديث بريدة في «قصة ماعز والغامدية قال: ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت.»
٣١١٧ - وما في الصحيح من حديث ابن عباس، ومن حديث جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يصل على ماعز» ، فقضية عين، يحتمل أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يحضره، أو اشتغل عنه لعارض، أو غير ذلك، ولأن عموم «صلوا على من قال لا إله إلا الله» يدخل فيه من مات بحد.
وأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ضرب وغرب، رواه النسائي. لكن قال النسائي: الصواب في هذا الحديث أن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وليس فيه أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ودعوى أن هذا زيادة على النص، وهو {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: ٢] الآية، والزيادة على النص نسخ، والكتاب لا ينسخ بالسنة - ممنوع؛
قال: ومن زنا مرارا ولم يحد فحد واحد. ش: حكى ذلك ابن المنذر عمن يحفظ عنه من أهل العلم، في مسألتي المنطوق والمفهوم، ولأن قوله سبحانه وتعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: ٢] يشمل من زنى مرة،
رواه أبو داود.
٣٨٤٨ - وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قضى بذلك في زمان عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ، وقد تبين بمجموع هذا (رد قول من زعم) أن المراد {مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: ١٠٦] أي من غير عشيرتكم، (وقول من زعم) أن المراد بالشهادة الحضور، كما في قوله {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: ٢] ويكون المعنى فليحضر اثنان، أي يوصي إليهما في هذه الحالة، تأكيدا أو نحو ذلك، (وقول من زعم) أن المراد بالشهادة اليمين، كما في آية اللعان أيضا، وأبعد من هذه الأقوال (من زعم) نسخ الآية [الكريمة، إذ لا دليل على ذلك، مع أن السلف عملت عليه،