وكذلك: {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} وقال هشام بن معاوية النحوي: العربي يتكلم بالضعف مثنى، فيقول: إن أعطيتني درهماً، فلك ضعفاه، أي: مثلاه، قال: وإفراده لا بأس به، والتثنية أحسن، فعلى هذا ثلاثة أضعافه: ثلاثة أمثاله.
فإن قيل: ورد به ظواهر، قيل: ورد أكثر منها وأوضح في حق فاعلي طاعات، حتى قال المبتدعة المرجئة، لا يعاقب مؤمن وأبى أهل السنة [وأعداء اللَّه لأهل البيت] من يوهمهم ذلك بل يذكر لهم نحو: {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} ،
ومثلُه وضعفاه هو ومثلاه. وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله، ولولا أن ضعفي الشيء ثلاثة أمثاله، لم يكن فرق بين الوصية بضعف الشيء وبضعفيه، والفرق بينهما مراد ومقصود، وإرادة المِثْلين عن قوله تعالى:{يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ}، إنما فُهم من لفظ:{يُضَاعَفْ} لأن التضعيف: ضم الشيء إلى مثله، فكل من المِثلين المنضمين ضعف، كما قيل لكل واحد من الزوجين: زوج، والزوج هو الواحد المضموم إلى مثله.
أما الأثري: فما رواه أبو عبيد في الأموال بإسناده عن علي أن النبي ﷺ تعجل من العباس صدقة سنتين . أي: قدم زكاة سنتين، ويعضده ما ثبت في الصحيحين «أن النبي ﷺ بعث عمر على الصدقة فرجع ومن معه فقالوا: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس بن عبد المطلب، أي: أبوا أن يعطوا السعاة الزكاة، فقال النبي ﷺ : «أما خالد فإنكم تظلمون خالداً فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما ابن جميل فما ينقم إلا أن كان فقيراً فأغناه الله» وهذا من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح وهو أسلوب معروف ومنه قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب «وأما العباس فهي علي ومثلها».
لكن هذا الحديث هل المعنى فيه أن العباس قد عجل الصدقة سنتين، أو أن المعنى أن العباس رضي الله عنه لما كان ظاهرُ منْعِهِ احتماءَهُ بقرابته من النبي ﷺ، فأراد أن يضاعف الغرم عليه، ويكون هذا مثلَ قولِهِ فيمن منع الزكاة:«إنا آخذوها وشطر ماله»؟
الجواب: الذي يظهر لي هو الثاني؛ لأن العباس رضي الله عنه لو كان قد عجل الصدقة لقال للسعاة: إنني قد أخرجتها أو قدمتها، ولا يقولون: منع العباس، وكانت هذه السياسةُ سياسةَ عدلٍ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان من سياسته إذا نهى الناس عن شيء جمع أهله، وقال لهم: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم ـ أي: إن الطير إذا رأى اللحم انقض عليه ـ وإني لا أعلم أن أحداً منكم عمل هذا إلا أضعفت له العقوبة، فيعاقب الناس مرة وقرابته مرتين؛ لأن هؤلاء سوف يحتمون بقرابتهم منه، وفي القرآن الكريم ما يشير إلى هذا قال الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ .
فالحاصل أن الذي يظهر لي: أن قوله في العباس رضي الله عنه: «هي علي ومثلها» من باب التضعيف عليه لكونه احتمى بقرابته من النبي ﷺ، أما حديث أبي عبيد فإن صح فهو دليل مستقل لا علاقة له بهذه القصة.
وأما الدليل النظري؛ فلأن تعجيل الزكاة من مصلحة أهل الزكاة، وتأخيرها إلى أن يتم الوجوب من باب الرفق بالمالك، وإلا وجب عليه أن يخرج زكاته من حين ملك النصاب، كما وجب عليه إخراج زكاة الزرع من حين حصاده، فإذا كان هذا من باب الرفق بالمالك، ورضي لنفسه بالأشد، فلا مانع.
وقوله:«لحولين فأقل» يفهم منه أنه لا يجوز تعجيل الزكاة لأكثر من حولين. وَلَا يُسْتَحَبُّ ........
وقال عطاءٌ: أثْمَرتْ في سَنَةٍ مِثْلَ ثَمَرَةِ غيرِها سَنَتَين. ولا خِلافَ بينَ المُفَسِّرِين فيما عَلِمْنا في تَفْسِيرِ قولِه تعالى:{يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ}. أنَّ المُرادَ به مَرَّتَين. وقد دَلَّ عليه قولُه تعالى:{نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَينِ}. ومُحالٌ أن يَجْعَلَ أجْرَها على العَمَلِ الصالح مَرَّتَينِ وعَذابَها على الفاحِشَةِ ثلاثَ مَرّاتٍ،
وأمَّا قولُ أبي عُبَيدَةَ فقد خالفَه فيه غيرُه وأنْكَرَ قولَه، قال ابنُ عَرَفَة : لا أحِبُّ قولَ أبي عُبَيدَةَ في:{يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ}؛ لأنّ اللهَ تعالى
وقال:{يضاعف لها العذاب ضعفين} والمراد مرتان؛ لأن الله تعالى قال:{نؤتها أجرها مرتين}، ويبعد أن يجعل على الفاحشة ثلاثاً؛ لأن المعهود من كرمه تقليل الجزاء على السيئة لا تكثيره.