ولا يقال: المراد به المؤمن، لأنه قال في أول الآية: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا} . فقوله وإن كان معناه وإن كان المقتول بدلالة أن المؤمن قد استفدناه بعموم اللفظ الأول فلم يجز حمل الثاني على التكرار، يبين ذلك أنه قال:
وقوله: {ومن قتل مؤمنا خطئا} . عطف على ذلك وحكم العطف في الخصوص حكم المعطوف عليه فاقتضى ذلك وجوب الكفارة إذا كان القاتل مؤمنًا والصبي لا يتناوله إثم المؤمن على الإطلاق.
لنا: قوله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة} وحكم العطف على المعطوف عليه أن يقتضي شرط الإيمان في وجوب الكفارة فلم يجز إيجابها مع فقد شرط.
١٥٩٩ - حَدثنَا قَالَ قلت لابي من زعم ان الْخَطَأ وَالنِّسْيَان مَرْفُوع عَنهُ أَي شَيْء يلْزمه قَالَ قد اوجب الله فِي قتل النَّفس خطأ فَقَالَ {وَمن قتل مُؤمنا خطأ فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة ودية مسلمة إِلَى أَهله إِلَّا أَن يصدقُوا} وَيلْزمهُ ان يَقُول لَو ان محرما وطىء اهله نَاسِيا لم يكن عَلَيْهِ شَيْء وان وطىء اهله فِي رَمَضَان نَاسِيا لم يكن عَلَيْهِ شَيْء وَلَو حلف بِالطَّلَاق ان لَا يَأْتِي شَيْئا فَأَتَاهُ وَهُوَ ناسي لم يكن عَلَيْهِ شَيْء
{وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} فأما من لم تبلغه الدعوة فلا يضمن؛ لأنه لا إيمان له ولا أمان، فأشبه الحربي.
{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} وهذا عام في كل قتيل، وفسر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدية بمائة من الإبل، وإخبار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في تقدير الواجب بالقتل بمائة من الإبل أو غيرها، مطلقة في الأمكنة والأزمنة والقرابة.
{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} ، وتجب على من قتل في بلاد الروم مسلمًا يعتقده كافرًا؛ لقول الله تعالى:
{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} فتخصيصه بها يدل على نفيها في غيره، ولأنها لو وجبت في العمد، لمحت عقوبته في الآخرة؛ لأنها شرعت لستر الذنب، وعقوبة القاتل عمدًا ثابتة بالنص لا تمحى بها، فوجب ألا تجب الكفارة فيه،
التعرض لحياته بما يفسدها بأي وجه من الوجوه، وحتى في قتل الخطأ، لم يعف الله تعالى القاتل من المسئولية، وأوجب فيه: العتق، والدية، فقال سبحانه: " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا، إلا خطأ، ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا " (٢) .
وذهب أبو حنيفة، والثوري، وهو المروي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود رضي الله عنهم، إلى أن ديتهم مثل دية المسلمين، لقول الله تعالى: " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فدية مسلمة إلى أهله، وتحرير رقبة مؤمنة ".
{ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} ووجه التمسك به أن الله تعالى ذكر في هذه الآية حكم القتل الخطأ، فتعين أن يكون القصاص واجباً وثابتاً فيما هو ضد الخطأ، وهو العمد، ولم تعين بالعمد لا يعدل عنه لئلا تلزم الزيادة على النص بالرأي، ولأن الله تعالى قال: {كتب عليكم القصاص في القتلى} ومعناه، فرض، وأثبت، كما قال تعالى: {كتب عليكم الصيام} وقال: {وكتب عليكم القتال} وقال تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} ومعناه الفرض الثابت.
وموجب شبه العمد على القولين، الإثم لأنه قتل وهو قاصد الضرب، والكفارة لأنه خطأ نظراً إلى أن الآلة تدخل تحت قوله تعالى {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} الآية، ولأنه شبيه بالخطأ،
{ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله لا أن يصدقوا} آية ٩٢ من النساء والأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد على وجوبها في الجملة. قالوا: يجب في قتل الذكر، الحر، المسلم، المحقون الدم، والقاتل له لا رق فيه، مائة بعير، لأن الله تعالى أوجب في الآية المذكورة دية، وبينها النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب عمرو بن حزم في قوله: (في النفس مائة من الإبل) رواه النسائي.
{ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا، فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله، وكان الله عليماً حكيماً} [آية: ٩٢ من النساء] .
ولنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية، جعل التحرير كل الموجب رجوعا إلى حرف الفاء أو إلى كونه كل المذكور فينتفي غيره ولأن العصمة المؤثمة بالآدمية لأن الآدمي خلق متحملا أعباء التكليف والقيام بها بحرمة التعرض والأموال تابعة لها
قال: "والخطأ على نوعين: خطأ في القصد، وهو أن يرمي شخصا يظنه صيدا، فإذا هو آدمي، أو يظنه حربيا فإذا هو مسلم وخطأ في الفعل، وهو أن يرمي غرضا فيصيب آدميا، وموجب ذلك الكفارة، والدية على العاقلة" لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ الآية، وهي على عاقلته في ثلاث سنين، لما بيناه. قال: "ولا إثم فيه" يعني في الوجهين قالوا: المراد إثم القتل،
ولو قتل العبد المبيع قبل القبض يبقى العقد وبقاؤه ببقاء المالية أصلا أو بدله وصار كقليل القيمة وكالغصب. ولأبي حنيفة ومحمد قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أوجبها مطلقا، وهي اسم للواجب بمقابلة الآدمية، ولأن فيه معنى الآدمية حتى كان مكلفا، وفيه معنى المالية، والآدمية أعلاهما فيجب اعتبارها بإهدار الأدنى عند تعذر الجمع بينهما وضمان الغصب بمقابلة المالية، إذ الغصب لا يرد إلا على المال، وبقاء العقد يتبع الفائدة حتى يبقى بعد قتله عمدا وإن لم يكن القصاص بدلا عن المالية فكذلك أمر الدية،
ولا يعتق في الرقاب الواجبة من فيه معنى من عتق بتدبير أو كتابة أو غيرهما ولا أعمى ولا أقطع اليد وشبهه ولا من على غير الإسلام ولا يجوز عتق الصبي ولا المولى عليه والولاء لمن أعتق ولا يجوز بيعه ولا هبته ومن أعتق عبدا عن رجل فالولاء لأن كل ولد حدث من غير ملك يمين من تزويج أو زنى فإنه تابع لأمه في الحرية والعبودية وهذه المسألة مكررة مع قوله وكل ذات رحم فولدها بمنزلتها "ولا يعتق في الرقاب الواجبة" ككفارة القتل "من فيه معنى من عتق بتدبير أو كتابة أو غيرهما" كأم ولد أو معتق لأجل أو مبعض لنقصان الرقبة بما تشبثت به من عقد الحرية "و" كذلك "لا" يعتق في الرقاب الواجبة "أعمى ولا أقطع اليد وشبهه" أي شبه الأقطع لنقصان الرقبة بالعيب "ولا" يعتق فيها أيضا "من هو على غير الإسلام" لقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} "ولا يجوز عتق الصبي" لأنه ليس من أهل التكليف "ولا" عتق "المولى عليه" وهو السفيه الذي يضع المال في غير موضعه "والولاء" بفتح الواو ممدودا "لمن أعتق" فمن زال ملكه بالحرية عن رقيق فهو مولاه إن كان المعتق مسلما
وكذا ما وجب في قتل الرق يقال له قيمة أيضا إنما وجبت الدية لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} وهي مختلفة الجنس بحسب الجاني فـ "على أهل الإبل" وهم أهل البادية والعمود "مائة من الإبل" مخمسة "وعلى أهل الذهب" كأهل مصر والشام "ألف دينار وعلى أهل الورق" كأهل العراق "اثنا عشر ألف درهم" وأخذ من كلامه أن الدية لا تكون إلا من هذه الأجناس الثلاثة وهوكذلك على المشهورفلا تكون من البقر ولا من الغنم ولا من العروض "ودية العمد" إذا قبلت بأن حصل عفو عليها أو تعذر القصاص لفقد المماثلة تكون مربعة من كل سن من الأسنان "خمس"
نفسه عمدا أو خطأ " وهو هدر لا شيء فيه لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً} الآية فأوجب الدية على من قتل غيره فدل على أنها لا تجب بقتل الإنسان نفسه " وتعاقل " أي تساوي " المرأة الرجل " من أهل ديتها " إلى ثلث دية الرجل " فتأخذ في أطرافها مثل ما يأخذ الرجل إلى أن تبلغ ثلث دية الرجل والغاية خارجة " فإذا بلغتها " صوابه بلغته لأن الثلث مذكر لكنه أنث باعتبار اكتساب التأنيث من المضاف إليه " رجعت " أي ردت " إلى عقلها " أي ديتها فإذا قطع لها ثلاثة أصابع ففيها ثلاثون بعيرا لمساواتها للرجل فيما يقصر عن ثلث ديته وإذا قطع لها أربعة أصابع ففيها عشرون بعيرا لأنها لو ساوته لزم أن يجب لها أربعون وذلك أكثر من ثلث ديته فلذلك رجعت إلى نصف الواجب للرجل وهو عشرون وعلى هذا إجماع أهل المدينة " والنفر " هو في اللغة من ثلاثة إلى تسعة وعند الفقهاء الجماعة " يقتلون رجلا فإنهم يقتلون به " جميعا إذا تمالؤوا على قتله أي اجتمعوا عليه " والسكران " بمحرم شربه كخمر عالما بحرمته قاصدا شربه لأنه أدخل السكر على نفسه فلا يعذر
لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} . الآية. فقال: وعلى القاتل وجوبا الحر لا العبد؛ لأن اللَّه تعالى قال: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} والعبد لا يصح منه ذلك لأن من لوازم العتق الولاء ولا ولاء للرقيق، فلذا لم يصح عتقه المسلم لا الكافر؛ إذ ليس فيه أهلية التقرب؛ لأن الإيمان شرط في جميع الأعمال، فلذا لم يصح منه التقرب، وعلى القاتل المذكور ما يذكر حيث كان عاقلا بالغا، بل وإن كان صبيا أو مجنونا؛
بخلاف القتل فإنها فيه تابعة للدية مع كون المخطئ غير آثم، فسقطت عن العبد لتعذر أحد جزءيها منه وإن تأخر الآخر. انتهى. على أن مقتضى كلام ابن عبد السلام أنه لا نزاع في أنها واجبة على العبد، فإنه قال: الأصل في وجوب الكفارة قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} الآية، فتجب على الحر المسلم كما ذكر المؤلف يعني ابن الحاجب،
(قوله: بخلاف شبهه) أي العمد فلا قصاص فيه: لخبر إلا أن في قتيل عمد الخطأ، قتيل السوط والعصا مائة من الإبل وقوله والخطأ أي وبخلاف الخطأ فلا قصاص فيه لقوله تعالى: * (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) *
وإن قال: تصدقت عليك بالمال الذي لي عليك .. صح وكان إبراء بلفظ الصدقة؛ لقوله تعالى:{ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا}، وقوله:{فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا}، والمراد في الآيتين: الإبراء.
وقد ورد في شرعنا تقريره, فقال صلى الله عليه وسلم لما كسرت ثنية الربيع:(كتاب الله القصاص) , ولهذا أدخله البخاري [٤٥٠٠] في تفسير (سورة المائدة) , وإنما لم يجب في شبه العمد؛ للحديث المذكور قبله, ولا في الخطأ؛ لقوله تعالى:{وَمَنْ قَتَلَ مُؤمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيِرُ رَقَبَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ أِلَى أَهْلِه} , فأوجب الدية ولم يتعرض للقصاص.
قال: (فصل: قتل مسلمًا ظن كفره بدار الحرب) ؛ بأن رآه يعظم آلهتهم أو على زيهم. قال:) .. فلا قصاص)؛ لوضوح العذر, وهذا لا خلاف فيه, واستدل له الشافعي بقوله تعالى:{فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ}؛فإن معناه: في قوم, ولأنه أسقط حرمة نفسه بمُقامه في دار الحرب التي هي دار إباحة.
قال: (بقتل مسلم ولو بدار حرب) وإن لم يجب فيه القصاص ولا الدية، لقوله تعالى {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} معناه عند الشافعي تبعًا لابن عباس وغيره: إن كان في قوم.
(ولا يجزئُ فِي جميع الكفَّارات، و) فِي (نَذْرِ العِتق المُطلَقِ؛ إلَّا) عتق (رقبةٍ مؤمنة) حكاه ابن المنذر إجماعًا في كفَّارة القتل؛ لقوله تعالى:{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}، وما عدا كفَّارة القتل؛ فبالقياس عليها؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أعْتقها فإنَّها مؤمنة" رواه مسلم من حديث معاوية. (سليمةٍ من العيوب المُضِرَّة بالعمل ضررًا بيِّنًا) لأن المقصود تمليك الرقبة منافعها، وتمكينها من التصرُّف لنفسها، ولا يحصُل هذا مع ما يضرُّ بالعمل ضررًا بيِّنًا (كالعمى) لأنه لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع (و) كـ ( قَطْع اليدين، أو إحداهما، أو) قطع (الرجلين، أو إحداهما، أو أشلِّ شيء من ذلك) أي: من اليدين، أو إحداهما، أو الرِّجلين، أو إحداهما؛
لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} والخطأ موجود في هذه الصور (والدية على العاقلة) لحديث أبي هريرة قال: "اقتتلت امرأتانِ من هُذيلٍ، فرمتْ إحداهُما الأخرى بحجرٍ فقتَلَتْها وما في بطنها، فقضى النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن دية جنينها عبدٌ أو وليدةٌ، وقضى بدِيَة المرأة على عاقلَتها" متفق عليه .
روي عن ابن عباس ؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (بلا دِية) للآية المذكورة، فإنه لم يذكر دِية في هذا القسم، وذكرها في اللذين قبله وبعده.
وهى قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} وهذا يقتضى أن تكون الدية واحدة في كل مكان، وعلى كل حال (و) هو ظاهر (الأخبار) منها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فى النفس المؤمنة مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف مثقال" (٣) ، وروى الجوزجاني (٤) ، عن أبي الزناد، أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع الفقهاء، فكان مما أحيا من تلك السنن، أي: إنه لا تغليظ.
). [باب كفارة القتل] الكفَّارة: مأخوذة من الكَفْر، وهو الستر؛ لأنها تُغَطِّي الذنْبَ وتستره، والأصل فيها الإجماع ، وسنده قوله تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً . . .} الآية ، فذكر في الآية ثلاث كفَّارات: إحداهن بقتل المسلم في دار الإسلام خطأً. الثانية بقتله في دار الحرب، وهو لا يعرف إيمانه. الثالثة بقتل المعاهد، وهو الذّمي. (من قتل نفسًا مُحَرَّمة، أو شارك فيها، ولو نفسَه، أو قِنَّه، أو مستأمِنًا، أو معاهَدًا خطأً) للآية الكريمة (أو ما أُجري مُجْراه) لأنه أجري مُجْراه في عدم القِصاص، فكذا يجري مَجْراه في الكفَّارة (أو شِبه عمدٍ) لما سبق (أو قَتَل بسببٍ في حياته، أو بعدَ موته، كحفر بئرٍ، ونَصْبِ سكّين، وشهادة زُورٍ) و (لا) كفّارة (في قتل عَمْد محضٍ)
لمفهوم قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً . . .} وسواء كان موجبًا للقصاص أو غيره (ولا) كفّارة أيضًا (في قَتْل أسير حربيٍّ يمكنه أن يأتي به الإمامَ، فقتله قبلَه) أي: قبل أن يأتى به الإمام (ولا في قتل نساء حرب وذرِّيَّتهم، ولا) في قتل (من لم تبلغه الدعوة إن وُجِد) فيحرم قتله قبل الدعوة، ولا كفّارة؛ لأنه لا إيمان لهم ولا أمان (فعليه) أي: القاتل, أو المشارك في سوى ما استثني (كفَّارة كاملة في ماله، ولو كان القاتل إمامًا في خطأ يحمله بيت المال) فتجب الكفّارة في ماله لا في بيت المال (أو) كان القاتل (كافرًا) فتجب عقوبة له، كالحدود.
لعموم: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً} وسواء كان المقتول (صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى) لما سبق. (وسواءٌ كان القاتل كبيرًا عاقلًا، أو صبيًّا، أو مجنونًا، حرًّا (٣) أو عبدًا)، أو (ذكرًا أو أنثى) لأنه حقٌّ مالي يتعلَّق بالقتل، فتعلَّقت بهم، كالدية، والصلاة والصوم عبادتان بدنيتان، وهذه مالية أشبهت نفقةَ الأقارب.
(وشرط في رقبة) تجزئ (في كفارة، و) في (نذر عتق مطلق: إسلام) على الأصح؛ لقول الله سبحانه وتعالى:{وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}.
ويجب) رميهم إذا تترسوا بالمسلمين: (حيث خيف على المسلمين أن لم نرمهم فيقصدهم) أي: يقصد الكفار بالرمي (دونه) أي: دون المسلم، (فيقتله) أي: يقتل المسلم من غير قصد. (فـ) هذا (فيه الكفارة فقط) أي: دون الدية على الأصح، لقوله سبحانه وتعالى:{فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} ولم يذكر دية. وترك ذكرها في هذا القسم مع ذكرها في الذي قبله، وبعده ظاهرة أنها غير واجبة.
(من أتلف إنسأنا، أو) أتلف (جزءا منه، بمباشرة أو سبب) كان عليه ديته ، سواء كان مسلما أو ذميا أو مستأمنا أو مهادنا ؛ لقول الله سبحانه وتعالى:{وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً}.
وإذا تقرر هذا فإنه يلزمه ما اعرف به، وتجب الدية عليه حالة في ماله، لقوله سبحانه وتعالى:{وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ}. ولأنه مقر على نفسه بالجنايه الموجبة للمال. فصح إقراره، كما لو أقر بإتلاف مال، أو بما لا تحمل ديته العاقلة.
الثانية: بقتله في دار الحرب وهو لا يعرف إيمانه؛ لقوله سبحانه وتعالى:{فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}.
الثالثة: بقتل المعاهد وهو: الذمي في دار الإسلام؛ لقوله سبحانه وتعالى:{وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً}. فأوجب الكفارة بالقتل في الجملة. (وتلزم) الكفارة (كاملة في مال قاتل لم يتعمد) القتل أي: لم يكن قتله عمدا محضا. (ولو) كان القاتل (كافرا، أو قنا، أو صغيرا، أو مجنونا، أو إماما في خطإ يحمله بيت المال، أو مشاركا) في قتل في الأصح؛ لأن الكفارة موجب قتل الآدمي.
وأما الكافر فتكون عقوبة له كالحدود وذلك لعموم قوله تعالى:{وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}. (أو) كان المقتول (مستأمنا) ؛ لأنه آدمي مقتول ظلما. فوجبت الكفارة بقتله؛ كالمسلم، (أو) كان المقتول (جنينا) ؛ كما لو ضرب بطن امرأة فألقت جنينا ميتا أو حيا ثم مات؛ لأنه قتل نفسا محرمة. أشبه قتل الآدمي بالمباشرة. ولاكفارة بإلقاء مضغة لم تتصور.
ومن قتل بصف كفار من ظنه حربيا فبان مسلما أو رمى كفارا تترسوا بمسلم وخيف علينا إن لم نرمهم ولم يقصده فقتله فعليه الكفارة فقط؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} ، ولم يذكر الدية.
كتاب الديات] جمع دية، وهي المال المؤدى إلى مجني عليه، أو وليه بسبب جناية، يقال: وديت القتيل: إذا أعطيت ديته. (كل من أتلف إنسانا بمباشرة أو سبب) بأن ألقى عليه أفعى، أو ألقاه عليها، أو حفر بئرا محرما حفرها، أو وضع حجرا، أو قشر بطيخ، أو ماء بفنائه، أو طريق، أو بالت بها دابته ويده عليها ونحو ذلك، (لزمته ديته) سواء كان مسلما، أو ذميا، أو مستأمنا، أو مهادنا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} ،
وهو في الشرع: تحرير الرقبة وتخليصها من الرق، يقال عتق العبد وأعتقته أنا وهو عتيق ومعتق، والأصل فيه الإجماع لقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: ٩٢] ، وقوله: {فَكُّ رَقَبَةٍ } [البلد: ١٣] وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها إربًا منه من النار حتى إنه ليعتق اليد باليد والرجل بالرجل والفرج بالفرج" متفق عليه في أخبار كثيرة سوى هذا.
وتلزمه الكفارة ـ على المشهور من المذهب ـ إذا قتل بين صف الكفار لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ، ولم يذكر الدية، وهذا في المؤمن إذا كان في صف الكفار، ثم قتله مؤمن فهذا يلزمه الكفارة، ولا تلزمه الدية؛ لأنه أهدر نفسه حيث صار في صف الكفار.
وهذا ـ والله أعلم ـ هو سرُّ تعبير القرآن حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ولم يقل: «يسلِّمها» بل قال: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ بالبناء للمفعول؛ لأن الذي سيسلم هذه الدية هم العاقلة.
وقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ ، فقال:«دية» في الموضعين، والأصل عدم الفرق حتى يقوم دليل صحيح على ذلك.
لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾ وهو مؤمن ويسمَّى قاتلاً؛ لأن الرسول ﷺ قال:«من قتل نفسه بحديدة عذب بها» فهو قاتل لنفس مؤمنة فيلزمه الكفارة، وهذا هو المشهور من المذهب، وجزموا به، وقالوا: إنه يجب أن تؤدَّى الكفارة مِنْ تَرِكَتِه، لعموم الآية.
لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾، ولا تجتمع الدية مع الكفارة إلا فيما إذا كان المقتول غير نفسه،
ومِنْ قوم عدو لنا وهو مؤمن، فالمؤمن قال الله فيه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، فيجب فيه أمران: تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله.
والثالث: من ذكره الله في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: إذا كان المقتول كافراً معَاهَداً، ففيه الدية والكفارة، وهذا موجودٌ في عهدنا، فهؤلاء العمال الكفار لو أن أحداً قتل أحدهم خطأ، وجب فيه الدية والكفارة.
تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} وهو في القتل إجماع، حكاه ابن المنذر وغيره، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - «أعتقها فإنها مؤمنة» .
ولو كان قنه، لعموم الآية، أو كان مستأمنا، لأنه آدمي قتل ظلما أشبه السلم لعموم {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} فتجب بقتل الكافر المضمون عند أكثر أهل العلم،
(و) عن (وفاء دين) عليه حالّ أو مؤجل لله أو لآدمى، لا ما استغرقته حاجة الإنسان فهو كالمعدوم في جواز الانتقال إلى بدله، (وشرط في) إجزاء (رقبة) في (كفارة) ما (و) في نذر و (عتق مطلق) أي غير مقيد بمعين (إسلام) لقوله تعالى {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} وألحق بذلك وسلامة من عيب مضر بالعمل ضررًا بينًا كعمى وشلل يد أو رجل أو قطع إحداهما أو سبابة أو وسطى أو إبهام أو أنملة منه أو أنملتين من غيره أو الخنصر والبنصر من يد، ويجزى مدبر وولد زنا وأحمق ومرهون وجان وأمة حامل ولو استثنى حملها، لا مريض مأيوس وأم ولد ومكاتب أدى شيئًا فصل
وقال أبو حنيفةَ: لا دِيَةَ له ، ولا كَفَّارَةَ فيه؛ لأنَّه رَمْى أُبِيحَ مع العِلْمِ بحَقِيقَةِ الحالِ، فلم يُوجِبْ شَيْئًا، كرَمْى مَنْ أُبِيحَ رَمْيُه. ولَنا، قولُه تعالى:{فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}. ولأنَّه قَتَلَ مَعْصُومًا بالإِيمانِ، وهو مِن أهْلِ الضَّمانِ، أشْبَهَ ما لو لم يُتَتَرَّسْ به.
١٤٠١ -
الضَّرْبُ (الثانى، أن يَقْتُلَ في دارِ الحربِ مَن يَظُنُّه حَرْبِيًّا، ويكونُ مسلمًا، أو يَرْمِىَ إلى صَفِّ الكُفَّارِ، فيُصِيبَ مسلمًا، أو يَتَتَرَّسَ الكفَّارُ بمسلمٍ، ويَخافُ على المسلمين إن لم يَرْمِهم، فيَرْمِيَهم فيَقْتُلَ المسلمَ، فهذا تجِبُ به الكفَّارَةُ) رُوِى ذلك عن ابنِ عباسٍ. وبه قال عطاءٌ، ومجاهِدٌ، وعَكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والأوْزاعِىُّ، وأبو حنيفةَ (وفى وُجُوبِ الدِّيَةِ على العاقِلةِ رِوايتان) إحْداهما، تجِبُ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا}.
وقال عليه السلامُ:«ألَا إنَّ في قَتِيلِ خَطَأَ العَمْدِ، قَتِيلِ السَّوْطِ والعَصَا، مائَةً مِنَ الإِبِلِ». ولأنَّه قَتَل مسلمًا خَطَأً، فوَجَبَتْ دِيَتُه، كما لو كان في دارِ الإِسلام. والثانيةُ، لا تجِبُ الدِّيَةُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}. ولم يَذْكُرْ دِيَةً، وتَرْكُه ذِكْرَها في هذا القِسْمِ مع ذِكْرِها في الذى قبلَه وبعدَه، ظاهِرٌ في أنَّها غيرُ واجِبَةٍ، وذِكْرُه لهذا قِسْمًا مُفْرَدًا يَدُلُّ على أنَّه لم يَدْخُلْ في عُمُومِ الآيةِ التى احْتَجُّوا بها، ويُخَصُّ بها عُمُومُ الخَبَرِ الذى رَوَوْه.
فإنَّ الدِّيَةَ لا تَجِبُ على أحَدٍ، كذا ههُنا. فعلى هذا، إن وُجِدَ بعضُ العاقلةِ، حُمِّلُوا بقِسْطِهم، وسَقَطَ الباقى، فلا يَجِبُ على أحدٍ. قال شيْخُنا: (ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ في مالِ القاتلِ) إذا تَعَذَّرَ حَمْلُها عنه. وهذا القولُ الثانى للشافعىِّ؛ لعُمومِ قولِه تعالى:{فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ}. ولأَنَّ قَضِيَّةَ الدليلِ وُجُوبُها على الجانِى جَبْرًا للمَحَلِّ الذى فَوَّتَه، وإنَّما سَقَط عن القاتلِ؛ لقِيامِ العاقلةِ مَقامَه في جَبْرِ المَحَلِّ،
قولُه تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ}. ولأنَّه مُقِرٌّ على نفْسِه بالجِنايةِ المُوجِبَةِ للمالِ، فصَحَّ إقْرارُه، كما لو أقَرَّ بإتْلافِ مالٍ، أو بما لا تَحْمِلُ دِيَتَه العاقلةُ، ولأنَّه مَحَلٌّ مَضْمَونٌ، فيُضْمَنُ إذا اعْتَرَفَ به، كسائرِ المَحالِّ، وإنَّما سقَطَتْ عنه الدِّيَةُ في مَحَلِّ الوِفَاقِ، لتَحَمُّلِ العاقِلَةِ لها،
وقِيلِ: ليس بمُحَرُّمٍ؛ لأَنَّ المُحَرَّمَ ما أثِمَ فاعِلُه، وقولُه تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً}. هذا اسْتِثْناء مُنْقَطِع. و «إلَّا» في مَوْضِعِ «لكنْ». والتَّقْديرُ: لَكِنْ قد يقتلُه خَطَأً. وقِيلَ:«إلَّا» بمعنى «ولا»، أى ولا خَطَأً. وهذا يَبْعُدُ؛ لأَنَّ الخَطَأ لا يتَوَجَّهُ إليه النَّهْىُ؛ لعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، وكَوْنِه لا يَدْخُلُ تحتَ الوُسْعِ، ولأنَّها لو كانت بمعنى «ولا» لَكانت عاطِفَةً للخَطَأ على ما قبلَه، وليس قبلَه ما يَصْلُحُ عَطْفُه عليه.
وقال أبو حنيفةَ: لا تجبُ؛ لأَنَّ ضَمانَ نَفْسِه لا يَجِبُ، فلم تَجِبِ الكَفَّارَةُ به، كقَتْلِ نِساءِ أهلِ الحَرْبِ وصِبْيانِهم. ووجْهُ الأَوَّلِ عُمُومُ قولِه تعالى:{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}. ولأنَّه آدَمِىٌّ مُؤْمِنٌ مقْتولٌ خَطأً، فوَجَبَتِ الكفَّارَةُ على قاتِله، كما لو قتَلَه غيرُه. قال شيْخُنا : وقولُ أبى حنيفةَ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى،
وأما كون وجوب الدية على العاقلة فيه روايتان؛ فلأن النظر إلى أن الله تعالى صرح في أول الآية بالكفارة والدية وذكر هنا الكفارة دون الدية يقتضي عدم وجوب الدية، والنظر إلى عموم قوله:{وديةٌ مسلّمةٌ إلى أهله}، وعموم قوله:«ألا! إن في قتلِ خطأِ العمد مائةٌ من الإبل» يقتضي وجوبها.
والأصل في وجوب الدية في الجملة الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {ومن قَتل مؤمنًا خطئا فتحريرُ رقبةٍ مؤمنة وديةٌ مسلمة إلى أهله إلا أن يصّدقوا}.
باب كفارة القتل] الأصل في كفارة القتل الكتاب والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {ومن قَتَل مؤمنًا خطئًا فتحريرُ رقبة مؤمنة}، وقوله تعالى:{وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاقٌ فَدِيةٌ مسلمةٌ إلى أهله وتحريرُ رقبة مؤمنة}.
وأما كون من عليه الكفارة بما ذكر تكون عليه مسلماً كان المقتول أو كافراً محرم القتل؛ فلأن الله تعالى قال:{وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحريرُ رقبة مؤمنة}.
كما دل عليه قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [النساء: ٩٢] الآية، ولا بد من تقييد الكافر بأن يكون له عهد، كما في الآية الكريمة، وقوله: أو يفعل ما يجوز له فعله. مفهومه أنه إذا فعل ما ليس له فعله، كأن يقصد رمي آدمي معصوم، أو بهيمة محترمة، فيصيب غيره، أن الحكم ليس كذلك، فيكون عمدا، وهو منصوص أحمد في رواية الحسن بن محمد بن الحارث، على ما ذكره القاضي في روايتيه، وخرجه أبو محمد على قول أبي بكر فيمن رمى نصرانيا، فلم يقع به السهم حتى أسلم أنه عمد، يجب به القصاص، والذي أورده في المغني مذهبا أن هذا أيضا خطأ، إناطة بعدم قصد من قتل، وهو مقتضى قول المجد، قال: أن يرمي صيدا أو هدفا أو شخصا، فيصيب إنسانا لم يقصده.
قال: فتكون الدية على العاقلة، وعليه عتق رقبة مؤمنة. ش: الخطأ لا قود فيه اتفاقا، كما أشعر به قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} [النساء: ٩٢] الآية، ولأن شبه العمد إذا لم يجب القود فيه كما تقدم، ففي الخطأ أولى، وتجب الدية فيه على العاقلة اتفاقا حكاه ابن المنذر، وقياسا على شبه العمد، وقد ثبت بالنص، وعلى القاتل عتق رقبة مؤمنة، لعموم «لا يجني جان إلا على نفسه» مع {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: ٩٢] .
وأن العاقلة تحملها عنه، صح ذلك، لكن المعروف خلافه. قال: والوجه الآخر أن يقتل في بلاد الروم من عنده أنه كافر، ويكون قد أسلم وكتم إسلامه، إلى أن يقدر على التخلص إلى بلاد الإسلام، فيكون على قاتله عتق رقبة مؤمنة بلا دية؛ لأن الله تعالى قال: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: ٩٢] . ش: هذا الضرب الثاني من ضربي الخطأ، وهو الخطأ في القصد، ولا نزاع في كون هذا ونحوه خطأ، ولا نزاع أيضا في وجوب الرقبة على القاتل، للآية الكريمة، ووقع النزاع في الدية،
ثم ذكر (ثالثا) إذا كان من قوم بيننا وبينهم ميثاق، أن فيه الكفارة والدية، فظاهر الآية الكريمة أن القسم الثاني لا دية فيه (وعن أحمد) رواية أخرى تجب الدية على العاقلة، ودليلها يظهر من الكلام على الآية الكريمة، وذلك أن (من) في قوله {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ} [النساء: ٩٢] يحتمل أن تكون لبيان الجنس، فيكون ظاهر الآية الكريمة عدم وجوب الدية فيمن تقدم ذكره، كما ذكره الخرقي، ويلحق به من أسلم ودخل دار الحرب، للاشتراك في أنه قصد قتل حربي، وإنما لم تجب الدية والحال هذه والله أعلم لأن الشارع له حرص عظيم على قتل أهل الحرب من غير تثبت، إذا بلغتهم الدعوة،
وأما كون على الصبي والمجنون عتق رقبتين في أموالهما، فلأن الله سبحانه جعل في قتل الخطأ الدية والكفارة، وهذا القتل جار مجرى الخطأ، فأعطي حكمه، وكان مقتضى قوله سبحانه: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ} [النساء: ٩٢] مع قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يجني جان إلا على نفسه» أن ذلك على الخاطئ أو من بمعناه، لكن قام الدليل أن الدية في ذلك على العاقلة فيبقى فيما عداه على مقتضى ما تقدم، وهذا أيضا هو المشهور عن أحمد، بناء على أن على كل واحد من المشتركين كفارة (وعن أحمد) رواية أخرى أن على الجميع كفارة واحدة، فعلى هذه يكون على الصبي والمجنون ثلثي رقبة، ونبه الخرقي بوجوب الكفارة على الصبي والمجنون بوجوبها على البالغ، وقوله: لأن عمدهما خطأ، تعليل لإسقاط القصاص في أصل المسألة،
باب ديات النفس]
ش: الديات واحدتها دية مخففة، وأصلها (ودي) والهاء بدل من الواو، كالعدة من الوعد، والزنة من الوزن، تقول: وديت القتيل أديه دية ووديا. إذا أعطيت ديته، وأتديت إذا أخذت الدية، فالدية في الأصل مصدر، سمي به المال المؤدى إلى المجني عليه أو إلى أوليائه، كالخلق بمعنى المخلوق، والأصل في الدية الإجماع، وسنده قَوْله تَعَالَى: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: ٩٢] وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «في النفس مائة من الإبل» في عدة أحاديث نذكر ما تيسر منها إن شاء الله تعالى.
قال: فإن لم يقدر على ذلك فليس على القاتل شيء. ش: إذا لم يقدر على أخذ شيء من بيت المال سقطت الدية، فلا شيء على القاتل، على المعروف عند الأصحاب، بناء عندهم على أن الدية وجبت على العاقلة ابتداء، فلا تجب على غير من وجبت عليه، كما لو عدم القاتل فإن الدية لا تجب على أحد، كذلك هاهنا، وخالفهم أبو محمد فاختار وجوبها على القاتل لعموم قَوْله تَعَالَى: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: ٩٢] مع قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا يجني جان إلا على نفسه» وسقوطها لقيام العاقلة مقامه،
لأن الله سبحانه قال: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: ٩٢] وقال: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: ٩٢] أي المقتول، وهذا الجنين إن كان من مؤمنين أو كان أحد أبويه مؤمنا فهو محكوم بإيمانه تبعا، فيدخل في الآية،
قال: ومن قتل نفسا محرمة، أو شارك فيها، أو ضرب بطن امرأة، حرة كانت أو أمة، فألقت جنينا ميتا، وكان القتل خطأ، فعلى القاتل عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، توبة من الله عز وجل. . . وقد روي عن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ - ما يدل على أن على قاتل العمد أيضا تحرير رقبة. ش: الأصل في كفارة القتل في الجملة الإجماع، وقد شهد له قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: ٩٢]
وقَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: ٩٢] الآية. إذا تقرر هذا فقول الخرقي: من قتل، يشمل الذكر والأنثى، والحر والعبد، والمكلف وغير المكلف، والمسلم والكافر، والآية الكريمة صالحة لدخول جميع ذلك فيها إلا غير المكلف، فإنه لا يتناوله الخطاب التكليفي،
فإذا وجوب الكفارة في ماله بضرب من القياس، وهو أن الكفارة حق مالي يتعلق بالقتل، فتعلقت بغير المكلف كالدية، وفيه شيء، إذ الدية لا تتعلق به، إنما تتعلق بالعاقلة على المذهب. وقوله: نفسا، يشمل الذكر والأنثى، والحر والعبد، والمسلم والكافر، والمكلف وغير المكلف، حتى لو قتل نفسه، أو عبده، أو إنسانا بإذنه، والكتاب العزيز شامل لجميع ذلك، إذ يدخل في {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا} [النساء: ٩٢] الذكر والأنثى بعرف الشرع، والحر والعبد، والمكلف وغير المكلف، إذ الصبي ونحوه مؤمن حكما، وعبده والأجنبي بإذنه،
والمختار للأصحاب من الروايتين، لأن عتقها مستحق بسبب آخر، أشبه المعلق عتقه بصفة عند وجودها ونحوه. (والثانية) : يجزئ لدخول ذلك تحت قوله سبحانه: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: ٩٢] والله أعلم.
وإذا لم يؤد فهي رقبة كاملة لم يؤد عن شيء منها عوض، أشبهت المدبرة. (والثانية) : وهي اختيار أبي بكر يجزئ مطلقا، لأنه عبد ما بقي عليه درهم، كما ثبت بالنص فأجزأ عتقه كغيره، ولدخوله تحت قَوْله تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: ٩٢] . (والثالثة) : لا يجزئه مطلقا، لأن عتقه مستحق بسبب آخر، أشبه أم الولد، ولا نزاع أنه لو أعتق عبدا على مال يأخذه منه لم يجزئه عن الكفارة، والله أعلم. قال: ويجزئ المدبر.
إما وصية أو تعليق بصفة، وأيا ما كان فإنه يجزئ كما يجزئ الموصى به، والمعلق عتقه بصفة قبل وجودها. قال: والخصي. ش: لأن ذلك لا يضر بالعمل، فأشبه الفحل، ولا فرق بين المقطوع والأشل والموجوء، لتساويهم في المعنى والله أعلم. قال: وولد الزنا. ش: لدخوله تحت قَوْله تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: ٩٢] ولأنه كغيره في جواز بيعه وعتقه، وقبول شهادته ونحو ذلك، فكذلك في إعتاقه عن الكفارة.