القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ٩٢

سورة النساء، الآية ٩٢مدنية
في سورتها

الشبهات

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتابالشنقيطي، ت ١٣٩٣هـ

قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء/ ٩٢] .

قيد في هذه الآية الرقبة المعتقة في كفارة القتل خطأً بالإيمان، وأطلق الرقبة التي في كفارة الظهار واليمين عن قيد الإيمان، حيث قال في كل منها: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة/ ٣، المائدة/ ٨٩] ولم يقل: "مؤمنة" . الشنقيطي ١/ ٩٢الشنقيطي ١/ ٩٢

وهذه المسألة من مسائل تعارض المطلق والمقيد، وحاصل تحرير المقام فيها أن المطلق والمقيد لهما أربع حالات:

الأولى: أن يتفق حكمهما وسببهما، كآية الدم التي تقدم الكلام عليها، فجمهور العلماء يحملون المطلق على المقيد في هذه الحالة التي هي اتحاد السبب والحكم معًا، وهو أسلوب من أساليب اللغة العربية؛ لأنهم يثبتون ثم يحذفون اتكالًا على المثبت، كقول الشاعر وهو قيس بن الخطيم:

نحن بما عندنا وأنت بما عنـ ... ـدك راضٍ والرأي مختلف

فحذف "راضون" لدلالة "راض" عليها.

ونظيره -أيضًا- قول ضابئ بن الحارث البرجمي:

فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيارًا بها لغريب

وقول عمرو بن أحمر الباهلي:

رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئًا ومن أجل الطويِّ رماني

وقال بعض العلماء: إن حمل المطلق على المقيد بالقياس. وقيل: بالعقل. وهو أضعفها. واللَّه تعالى أعلم.

الحالة الثانية: أن يتحد الحكم ويختلف السبب، كما في هذه الآية؛ فإن الحكم متحد وهو عتق رقبة، والسبب مختلف وهو قتل خطأٍ وظهارٌ مثلًا، ومثل هذا المطلق يحمل على المقيد عند الشافعية والحنابلة وكثير من المالكية، ولذا أوجبوا الإيمان في كفارة الظهار حملًا للمطلق على المقيد خلافًا لأبي حنيفة. الشنقيطي ١/ ٩٣الشنقيطي ١/ ٩٣

ويدل لحمل هذا المطلق على المقيد قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في قصة معاوية بن الحكم السلمي: "أعتقها فإنها مؤمنة" ، ولم يستفصله عنها هل هي كفارة أو لا؟ وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال. قال في "مراقي السعود" :

ونزلنَّ ترك الاستفصال ... منزلة العموم في الأقوال

الحالة الثالثة: عكس هذه، وهي الاتحاد في السبب مع الاختلاف في الحكم. فقيل: يحمل فيها المطلق على المقيد.

وقيل: لا. وهو أكثر العلماء.

ومثاله: صوم الظهار وإطعامه، فسببهما واحد وهو الظهار، وحكمهما مختلف؛ لأن هذا صوم وهذا إطعام، وأحدهما مقيد بالتتابع وهو الصوم، والثاني مطلق عن قيد التتابع وهو الإطعام، فلا يحمل هذا المطلق على هذا المقيد.

والقائلون بحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة مثلوا له بإطعام الظهار، فإنه لم يقيد بكونه قبل أن يتماسَّا، مع أن عتقه وصومه قيِّدا بقوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} ، فيحمل هذا المطلق على المقيد، فيجب كون الإطعام قبل المسيس.

ومثَّل له اللخمي بالإطعام في كفارة اليمين، حيث قُيِّدَ بقوله: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة/ ٨٩] ، وأطلق الكسوة عن القيد بذلك حيث قال: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} ، فيحمل المطلق على المقيد، فيشترط في الكسوة أن تكون من أوسط ما تكسون أهليكم. الشنقيطي ١/ ٩٤الشنقيطي ١/ ٩٤

الحالة الرابعة: أن يختلفا في الحكم والسبب معًا. ولا حَمْلَ فيها إجماعًا، وهو واضح. وهذا فيما إذا كان المقيد واحدًا.

أما إذا ورد مقيدان بقيدين مختلفين فلا يمكن حمل المطلق على كليهما؛ لتنافي قيديهما، ولكنه ينظر فيهما، فإن كان أحدهما أقرب للمطلق من الآخر حُمِلَ المطلق على الأقرب له منهما عند جماعة من العلماء، فيقيد بقيده، وإن لم يكن أحدهما أقرب له فلا يقيد بقيد واحد منهما، ويبقى على إطلاقه؛ لاستحالة الترجيح بلا مرجح.

مثال كون أحدهما أقرب للمطلق من الآخر: صوم كفارة اليمين، فإنه مطلق عن قيد التتابع والتفريق، مع أن صوم الظهار مقيد بالتتابع، وصومٍ التمتع مقيد بالتفريق، واليمين أقرب إلى الظهار من التمتع؛ لأن كلًّا من اليمين والظهار صوم كفارة بخلاف صوم التمتع، فيقيد صوم كفارة اليمين بالتتابع عند من يقول بذلك، ولا يقيد بالتفريق الذي في صوم التمتع.

وقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" لم تثبت؛ لإجماع الصحابة على عدم كتب "متتابعات" في المصحف.

ومثال كونها ليس أحدهما أقرب للمطلق من الآخر: صوم قضاء رمضان، فإن اللَّه قال فيه: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة/ ١٨٤] ، ولم يقيده بتتابع ولا تفريق، مع أنه قيد صوم الظهار بالتتابع وصوم التمتع بالتفريق، وليس أحدهما أقرب إلى قضاء رمضان من الآخر، فلا يقيد بقيد واحد منهما، بل يبقى على الاختيار، إن شاء تابعه وإن شاء فرقه. والعلم عند اللَّه تعالى. الشنقيطي ١/ ٩٥الشنقيطي ١/ ٩٥