(قَوْلُهُ: لَاحِقًا) الْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي سَابِقًا؛ وَإِنَّمَا كَانَ تَنْوِيرُ الْبَصَائِرِ لَاحِقًا: أَيْ مُتَأَخِّرًا عَنْ شَرْحِ الصُّدُورِ، لِأَنَّ شَرْحَهَا الِاهْتِدَاءُ إلَى الْإِسْلَامِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى - {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ}- الْآيَةُ، وَهَذَا سَابِقٌ عَادَةً عَلَى تَنْوِيرِ الْبَصَائِرِ بِمَا ذَكَرْنَا.
فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًۭا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ١٢٥
في الفقه
الحنفية٢
(وَلَوْ قَالَ زَنَأْت فِي الْجَبَلِ وَعَنَى الصُّعُودَ حُدَّ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يُحَدُّ لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَهْمُوزَ مِنْهُ لِلصُّعُودِ حَقِيقَةً قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ وَارْقَأْ إلَى الْخَيْرَاتِ زَنْئًا فِي الْجَبَلِ أَيْ صُعُودًا وَذِكْرُ الْجَبَلِ يُقَرِّرُهُ مُرَادًا وَحَرْفُ " فِي " لَا يُنَافِي الصُّعُودَ كَمَا فِي الْبَيْتِ وَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يُورِثَ الشُّبْهَةَ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا اللَّفْظِ لِلْفَاحِشَةِ لَا لِلصُّعُودِ وَإِنْ كَانَ يُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ زَنَأْتُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَبَلَ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَهْمُوزَ مِنْهُ لَا يُنَافِي الْفَاحِشَةَ لِأَنَّ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَهْمِزُ الْمُلَيَّنَ يُقَالُ دَأْبَةٌ وَشَأْبَةٌ وَبَيْأَضٌ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَهْمِزُ مِنْ غَيْرِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ كَمَا يُلَيِّنُونَ الْمَهْمُوزَ كَرَاسٍ وَآدَمَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَهْمُوزِ وَالْمُلَيَّنِ وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَعْنِ بِهِ الصُّعُودَ يَجِبُ الْحَدُّ إجْمَاعًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا أَوْ كَانَ مُحْتَمِلًا لَمَا وَجَبَ.