سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى ١
التفسير
نَزِّه اسم ربك الأعلى عن الشريك والنقائص تنزيهًا يليق بعظمته سبحانه، الذي خلق المخلوقات، فأتقن خلقها، وأحسنه، والذي قدَّر جميع المقدرات، فهدى كل خلق إلى ما يناسبه، والذي أنبت الكلأ الأخضر، فجعله بعد ذلك هشيمًا جافًا متغيرًا إلى السَّواد بعد اخضراره.
{سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى ونيسرك لليسرى فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى} قوله تعالى {سَبِّح اسمَ رَبِّكَ الأعْلَى} فيه أربعة أقاويل: أحدها: عظّم ربك الأعلى , قاله ابن عباس والسدي , والاسم صلة قصد بها تعظيم المسّمى , كما قال لبيد:
(إلى الحْولِ ثم اسم السلام عليكما ... ومَنْ يَبْكِ حَوْلاً كاملاً فقد اعتذر)
الثاني: نزّه اسم ربك عن أن يسمى به أحد سواه , ذكره الطبري. الثالث: معناه ارفع صوتك بذكر ربك , قال جرير:
(قَبَحَ الإلهُ وَجوه تَغْلبَ كلّما ... سَبَحَ الحجيجُ وكبّروا تكبيرا) الماوردي ٦/ ٢٥١الماوردي ٦/ ٢٥١
الرابع: صلّ لربك , فعلى هذا في قوله (اسم ربك) ثلاثة أوجه: أحدها: بأمر ربك. الثاني: بذكر ربك أن تفتتح به الصلاة. الثالث: أن تكون ذاكراً لربك بقلبك في نيتك للصلاة. وروي أن عليّاً وابن عباس وابن عمر كانوا إذا افتتحوا قراءة هذه السورة قالوا: (سبحان ربي الأعلى) امتثالاً لأمره تعالى في ابتدائها , فصار الاقتداء بهم في قراءتها , وقيل إنها في قراءة أُبيّ: (سبحان ربي الأعلى) وكان ابن عمر يقرؤها كذلك. {الذي خَلَقَ فَسَوَّى} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: يعني أنشأ خلقهم ثم سوّاهم فأكملهم. الثاني: خلقهم خلقاً كاملاً وسوّى لكل جارحة مثلاً. الثالث: خلقهم بإنعامه وسوّى بينهم في أحكامه , قال الضحاك: خلق آدم فَسوّى خلقه. ويحتمل رابعاَ: خلق في أصلاب الرجال , وسوّى في أرحام الأمهات. ويحتمل خامساً: خلق الأجساد فسّوى الأفهام. {والذي قَدَّرَ فَهَدَى} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: قدّر الشقاوة والسعادة , وهداه للرشد والضلالة , قاله مجاهد. الثاني: قدر أرزاقهم وأقواتهم , وهداهم لمعاشهم إن كانوا إنساً , ولمراعيهم إن كانوا وحشاً. الثالث: قدرهم ذكوراً وإناثاً , وهدى الذكر كيف يأتى الأنثى , قاله السدي. ويحتمل رابعاً: قدر خلقهم في الأرحام , وهداهم الخروج للتمام. ويحتمل خامساً: خلقهم للجزاء , وهداهم للعمل. {والذي أَخْرَجَ المْرعى} يعني النبات , لأن البهائم ترعاه , قال الشاعر:
(وقد يَنْبُتُ المرعى على دِمَنِ الثّرَى ... وتَبْقَى حَزازاتُ النفوسِ كما هِيا)
{فَجَعَلهُ غُثاءً أَحْوَى} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الغثاء ما يبس من النبات حتى صار هشيماً تذروه الرياح. الماوردي ٦/ ٢٥٢الماوردي ٦/ ٢٥٢
الأحوى: الأسود , قال ذي الرمة:
(لمياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ ... وفي اللّثاتِ وفي أنْيابها شَنَبُ)
وهذا معنى قول مجاهد. الثاني: أن الغثاء ما احتمل السيل من النبات , والأحوى: المتغير , وهذا معنى قول السدي. الثالث: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً , ومعناه أحوى فصار غثاء , والأحوى: ألوان النبات الحي من أخضر وأحمر وأصفر وأبيض , ويعبر عن جميعه بالسواد كما سمي به سواد العراق , وقال امرؤ القيس:
(وغيثٍ دائمِ التهْتا ... نِ حاوي النبتِ أدْهم)
والغثاء: الميت اليابس , قال قتادة: وهو مثل ضربه الله تعالى للكفار لذهاب الدنيا بعد نضارتها. {سنُقْرئك فلا تَنسَى} فيه وجهان: أحدهما: أن معنى قوله: فلا تنسى , أي فلا تترك العمل إلا ما شاء الله أن يترخص لك فيه , فعلى هذا التأويل يكون هذا نهياً عن الشرك. والوجه الثاني: أنه إخبار من الله تعالى أنه لا ينسى ما يقرئه من القرآن , حكى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالوحي يقرؤه خيفة أن ينساه , فأنزل الله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى) يعني القرآن. {إلا ما شاءَ اللهُ} فيه وجهان: أحدهما: إلا ما شاء الله أن ينسخه فتنساه , قاله الحسن وقتادة. الثاني: إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله عليك فلا تقرؤه , حكاه ابن عيسى. {إنهُ يَعْلَمُ الجهْرَ وما يَخْفَى} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك , وما يخفى هو ما نسخ من حفظك. الثاني: أن الجهر ما علمه , وما يخفى ما سيتعلمه من بعد , قاله ابن عباس. الماوردي ٦/ ٢٥٣الماوردي ٦/ ٢٥٣
الثالث: أن الجهر ما قد أظهره , وما يخفى ما تركه من الطاعات. {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: نيسرك لأن تعمل خيراً , قاله ابن عباس. الثاني: للجنة , قاله ابن مسعود. الثالث: للدين واليسر وليس بالعسر , قاله الضحاك. {فذكّرْ إن نَّفَعتِ الذِّكْرَى} وفيما يذكر به وجهان: أحدهما: بالقرآن , قاله مجاهد. الثاني: بالله رغبة ورهبة , قاله ابن شجرة. وفي قوله: {إنْ نَفَعَتِ الذّكْرى} وجهان: أحدهما: يعني إن قبلت الذكرى وهو معنى قول يحيى بن سلام. الثاني: يعني ما نفعت الذكرى , فتكون (إنْ) بمعنى ما الشرط , لأن الذكرى نافعة بكل حال , قاله ابن شجرة. {سَيّذَّكَرُ مَن يَخْشى} يعني يخشى الله , وقد يتذكر من يرجوه , إلا أن تذكرة الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي فلذلك علقها بالخشية دون الرجاء , وإن تعلقت بالخشية والرجاء. {وَيَتَجَنَّبُها الأشْقَى} يعني يتجنب التذكرة الكافر الذي قد صار بكفره شقياً. {الذي يَصْلَى النّارَ الكُبْرىَ} فيه وجهان: أحدهما: هي نار جهنم , والصغرى نار الدنيا , قاله يحيى بن سلام. الثاني: الكبرى نار الكفار في الطبقة السفلى من جهنم , والصغرى نار المذنبين في الطبقة العليا من جهنم , وهو معنى قول الفراء. {ثم لا يَمُوتُ فيها ولا يَحْيَا} فيه وجهان: أحدهما: لا يموت ولا يجد روح الحياة , ذكره ابن عيسى. الثاني: أنه يعذب لا يستريح ولا ينتفع بالحياة , كما قال الشاعر:
(ألا ما لنفسٍ لا تموتُ فَيَنْقَضِي ... عَناها ولا تحْيا حياةً لها طَعمْ.) الماوردي ٦/ ٢٥٤الماوردي ٦/ ٢٥٤
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى-يعني ابن أيوب الغافقي-حدثنا عمي إياس بن عامر، سمعت عقبة بن عامر الجهني لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤، ٩٦] قال لنا رسول الله ﷺ : "اجعلوها في ركوعكم" . فلما نزلت: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى) قال: "اجعلوها في سجودكم" .
ورواه أبو داود وابن ماجه، من حديث ابن المبارك، عن موسى بن أيوب، به .
وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم البَطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى) قال: "سبحان ربي الأعلى" .
وهكذا رواه أبو داود عن زُهَير بن حرب، عن وكيع، به وقال: "خولف فيه وكيع، رواه أبو وكيع وشعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد، عن ابن عباس، موقوفا ". ابن كثير ٩/ ٣٧٨ابن كثير ٩/ ٣٧٨
وقال الثوري، عن السدي، عن عبد خير قال: سمعت عليا قرأ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى) فقال: سبحان ربي الأعلى.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حُمَيد، حدثنا حَكَّام عن عَنْبَسة، عن أبي إسحاق الهَمْداني: أن ابن عباس كان إذا قرأ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى) يقول: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] فأتى على آخرها: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] يقول: سبحانك وبلى .
وقال قتادة: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى) ذُكِرَ لنا أن نَبِيّ الله ﷺ كان إذا قرأها، قال: "سبحان ربي الأعلى ".
وقوله: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) أي: خلق الخليقة وسَوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات.
وقوله: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها.
وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي: قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عَمرو: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله قَدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" .
وقوله: (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى) أي: من جميع صنوف النباتات والزروع، (فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى) قال ابن عباس: هشيما متغيرا. وعن مجاهد، وقتادة، وابن زيد، نحوه.
قال ابن جرير: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم، وأن معنى الكلام: والذي أخرج المرعى أحوى، أي: أخضر إلى السواد، فجعله غثاء بعد ذلك. ثم قال ابن جرير: وهذا وإن كان محتملا إلا أنه غير صواب؛ لمخالفته أقوال أهل التأويل.
وقوله: (سَنُقْرِئُكَ) أي: يا محمد (فَلا تَنْسَى) وهذا إخبار من الله، عز وجل ، ووعد منه له، بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها، (إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ) وهذا اختيار ابن جرير.
وقال قتادة: كان رسول الله ﷺ لا ينسى شيئا إلا ما شاء الله.
وقيل: المراد بقوله: (فَلا تَنْسَى) طلب، وجعلوا معنى الاستثناء على هذا ما يقع من النسخ، أي: لا تنسى ما نقرئك إلا ما شاء الله رفعه؛ فلا عليك أن تتركه. ابن كثير ٩/ ٣٧٩ابن كثير ٩/ ٣٧٩
وقوله: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى) أي: يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء.
وقوله تعالى: (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى) أي: نسهل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعا سهلا سمحا مستقيما عدلا لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر.
وقوله: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) أي: ذكِّر حيث تنفع التذكرة. ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله، كما قال أمير المؤمنين علي، رضي الله عنه : ما أنت بمحدِّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم. وقال: حدث الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ !
وقوله: (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى) أي: سيتعظ بما تبلغه-يا محمد-من قلبه يخشى الله ويعلم أنه ملاقيه، (وَيَتَجَنَّبُهَا الأشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا) أي: لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه، بل هي مضرة عليه؛ لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب، وأنواع النكال.
قال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن سليمان-يعني التيمي-عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "أما أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيون، وأما أناس يريد الله بهم الرحمة فيميتهم في النار فيدخل عليهم الشفعاء فيأخذ الرجل أنصاره فينبتهم- أو قال: ينبتون-في نهر الحياء- أو قال: الحياة- أو قال: الحيوان- أو قال: نهر الجنة فينبتون-نبات الحبَّة في حميل السيل" . قال: وقال النبي ﷺ : "أما ترون الشجرة تكون خضراء، ثم تكون صفراء أو قال: تكون صفراء ثم تكون خضراء؟ " . قال: فقال بعضهم: كأن النبي ﷺ كان بالبادية .
وقال أحمد أيضا: حدثنا إسماعيل، حدثنا سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس-أو كما قال-تصيبهم النار بذنوبهم- أو قال: بخطاياهم-فيميتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فنبتوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة، اقبضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل" . قال: فقال رجل من القوم حينئذ: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية.
ورواه مسلم في حديث بشر بن المفضل وشعبة، كلاهما عن أبي مَسْلَمة سعيد بن زيد، به مثله ورواه أحمد أيضا عن يزيد، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأن أهل النار الذين يريد الله إخراجهم يميتهم فيها إماتة، حتى يصيروا فحمًا، ثم يخرجون ضبائر فيلقون على أنهار الجنة، أو: يرش عليهم من أنهار الجنة فينبتون كما تنبت الحبَّة في حميل السيل" . ابن كثير ٩/ ٣٨٠ابن كثير ٩/ ٣٨٠
وقد قال الله إخبارا عن أهل النار: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وقال تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى. ابن كثير ٩/ ٣٨١ابن كثير ٩/ ٣٨١
لا كتاب مختار.